صفقة ديزني وOpenAI: استثمار المليار دولار الذي يعيد تشكيل مستقبل الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي

شهد المشهد الاقتصادي الرقمي تحولاً جذرياً بإعلان شركة والت ديزني عن استثمار ضخم بقيمة مليار دولار في شركة OpenAI، عملاق الذكاء الاصطناعي. تتجاوز هذه الصفقة مجرد كونها عملية مالية؛ فهي تمثل اعترافاً استراتيجياً من أحد أكبر حراس الملكية الفكرية في العالم بأن المقاومة التكنولوجية لم تعد خياراً.
المقال التالي يحلل أبعاد هذا الاستثمار وتأثيره المحتمل على صناعة الإعلام والمحتوى، خاصةً مع دمج شخصيات ديزني الشهيرة في تطبيق إنشاء الفيديو بالذكاء الاصطناعي Sora. يراقب المحللون والمستثمرون هذه الخطوة ببالغ الاهتمام؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المعارك القانونية بين شركات الإعلام الكبرى ومطوري نماذج الذكاء الاصطناعي حول استخدام البيانات وحقوق النشر، قدمت ديزني نموذجاً مختلفاً يقوم على الشراكة المدفوعة بدلاً من المواجهة المباشرة. هذا التموضع يضع ديزني كشركة رائدة تستعد لقطف ثمار الابتكار بدلاً من محاولة إيقافه.
بوب إيجر: الذكاء الاصطناعي هو “طريق الدخول” للمستقبل
أوضح بوب إيجر، الرئيس التنفيذي لشركة ديزني، لشبكة CNBC أن هذا الاستثمار هو بمثابة “طريق للدخول” إلى عالم الذكاء الاصطناعي، مؤكداً إيمانه بالتأثير طويل الأمد لهذه التكنولوجيا على أعمال الشركة.
في خطوة جريئة تختلف عن موقف العديد من عمالقة الإعلام الذين لجأوا إلى القضاء لحماية حقوقهم، تبنت ديزني مقاربة مختلفة. قال إيجر: “لم يقف أي جيل بشري في طريق التقدم التكنولوجي، ونحن لا ننوي المحاولة”. ويشير هذا التصريح إلى تحول استراتيجي من الدفاع إلى المشاركة النشطة في تشكيل هذا المستقبل التكنولوجي.
هذا التأثير طويل الأمد يمسّ جوانب إنتاج المحتوى الرئيسية. من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي، بدعم من OpenAI، في خفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير، خاصة في مجال الرسوم المتحركة والمؤثرات البصرية، حيث يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي توليد بيئات وخلفيات معقدة بكفاءة غير مسبوقة. علاوة على ذلك، تستكشف ديزني كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تخصيص التجارب الترفيهية للمستهلكين، من خلال إنشاء محتوى إعلاني مخصص أو حتى تعديل جوانب من القصص لتناسب تفضيلات المشاهد الفردية.
تفاصيل الصفقة وتحدي سورا للمحتوى
الاستثمار يمهد الطريق لاتفاقية ترخيص حصرية لمدة ثلاث سنوات، تسمح لمستخدمي منصة Sora من OpenAI بإنشاء مقاطع فيديو باستخدام أكثر من 200 شخصية من شخصيات ديزني المحبوبة، بما في ذلك ميكي ماوس، ودارث فيدر، وسندريلا.
Sora هو تطبيق فيديو قصير يعتمد على كتابة الأوامر النصية (Prompts) لإنشاء محتوى فريد، وقد أثار قلقاً كبيراً في الأوساط الإعلامية حول انتهاك حقوق النشر. لكن بالنسبة لديزني، يرى المحللون أن هذه الخطوة “تصديق كبير” على OpenAI وضرورة لشركة عملاقة في مجال إنشاء المحتوى “أن تكون في طليعة” التطورات المولّدة للمحتوى بواسطة المستخدم والذكاء الاصطناعي.
شدد المحللون، مثل بارتون كروكيت، على أهمية أن تفهم شركات المحتوى مثل ديزني أهمية المحتوى الذي يولّده المستخدمون عبر الذكاء الاصطناعي. فمن خلال السماح للجمهور باللعب بشخصياتها على منصات الفيديو القصيرة، تضمن ديزني بقاء علاماتها التجارية حية ومتداولة بين فئة الجمهور الأصغر سناً (Gen Z) التي تستهلك المحتوى بشكل أساسي عبر هذه المنصات. كما أن الاتفاقية الحصرية تمنح ديزني ميزة “اختبار المياه” في بيئة خاضعة للرقابة، مما يمكنها من فهم سلوكيات المستخدمين ومخاطر انتهاك الملكية الفكرية قبل أن تنتشر أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع دون قيود.
تأثير سورا على الملكية الفكرية: حواجز الحماية والقيمة المالية للترخيص
يعد التحدي الأكبر للشركات التي تعتمد على الملكية الفكرية هو ضمان عدم استخدام أصولها بطرق تضر بالعلامة التجارية أو تنتهك حقوق المبدعين.
أكد بوب إيجر أن صفقة ديزني وOpenAI لا تشكل “تهديداً للمبدعين على الإطلاق”، بل هي تكريم واحترام لهم، لاسيما بوجود رسوم ترخيص مرتبطة بالعملية. ولطمأنة صناع المحتوى والجمهور، تم وضع ضمانات صارمة:
- استثناءات الصوت والممثلين: لا تشمل الصفقة أصوات الشخصيات أو أسماء وشبه الممثلين الذين أدوا هذه الأدوار.
- حواجز أمان: أكد سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، أنه سيتم تطبيق “حواجز حماية” (Guardrails) حول كيفية استخدام شخصيات ديزني على Sora، وأن ديزني سيكون لها الحق في تطوير هذه القيود بمرور الوقت.
تُعد نقطة رسوم الترخيص ذات أهمية اقتصادية قصوى؛ فهي تؤسس لسابقة مالية واضحة في السوق، حيث يتم دفع مقابل لاستخدام الملكية الفكرية في تدريب أو تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، بدلاً من نموذج الاستخدام غير المصرح به الذي أدى إلى العديد من الدعاوى القضائية ضد OpenAI وغيرها. كما أن التركيز على استثناء أصوات وشبه الممثلين هو خط دفاع حيوي، ليس فقط لحماية المبدعين، ولكن للحفاظ على عقود المواهب الحالية والمستقبلية وتجنب فخاخ “التزييف العميق” (Deepfakes) الذي يمكن أن يهدد سمعة العلامة التجارية بشكل لا يمكن إصلاحه. هذه الضمانات تهدف إلى تحقيق التوازن الدقيق بين استغلال قوة الذكاء الاصطناعي وبين حماية أصول الشركة القيمة.
ختاما يمثل استثمار ديزني في OpenAI نقطة تحول اقتصادية: الانتقال من مرحلة الخوف والتقاضي إلى مرحلة الاستثمار والترخيص. بدلاً من إنفاق الموارد على معارك قانونية طويلة الأمد، تختار ديزني تحويل الذكاء الاصطناعي إلى شريك في الإيرادات، مما يفتح نموذج عمل جديداً لاستثمار الملكية الفكرية في العصر الرقمي.
إن الرسالة الاقتصادية لهذه الشراكة قوية وواضحة: التكنولوجيا المبتكرة تحتاج إلى محتوى مرخص، والمحتوى الثمين يجب أن يجد طرقاً جديدة لتوليد الإيرادات. تكتسب ديزني ميزة “المبادر الأول” (First Mover Advantage) من خلال تحديد معايير ترخيص الملكية الفكرية الخاصة بها للذكاء الاصطناعي، مما يضع ضغطاً على المنافسين التقليديين لإعادة تقييم استراتيجياتهم في التعامل مع OpenAI والتقنيات المنافسة لضمان عدم تأخرهم في سباق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي المولّد للمحتوى.



