أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

الفيدرالي الأمريكي يقر خفضا ثالثا للفائدة: تحليل شامل للمسار المستقبلي

أقرّ الفيدرالي الأمريكي، وسط انقسام واضح في صفوف صانعي القرار، خفضًا ثالثًا على التوالي لأسعار الفائدة الرئيسية، إلا أن البنك المركزي رفع “أعلام الحذر” مُشيرًا إلى أن مسار التخفيضات المستقبلية سيواجه طريقًا أكثر وعورة وبوتيرة أبطأ. يأتي هذا القرار ليؤكد التعقيدات التي تواجه السياسة النقدية في بيئة اقتصادية تتسم بضغوط التضخم المستمرة ومؤشرات سوق عمل متضاربة. هذا التحرك، الذي وصفته الأسواق بـ “الخفض المتشدد”، يضمن أن الأسواق لا تفرط في التفاؤل بشأن جولة طويلة ومفتوحة من التيسير النقدي.

تفاصيل قرار خفض سعر الفائدة والتباين داخل اللجنة (FOMC)

لبت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية (FOMC) التوقعات بخفض “متشدد” لسعر الإقراض لليلة واحدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ليصل النطاق المستهدف إلى ما بين 3.5% و 3.75%. لكن هذا التحرك حمل دلالات التباين، حيث شهد تصويتًا بـ 9 أصوات مؤيدة و 3 أصوات معارضة، وهو مستوى من الانقسام لم يحدث منذ سبتمبر 2019. ويُعد هذا الانقسام العميق تحدياً جوهرياً لرئيس الفيدرالي الأمريكي جيروم باول في مهمته للحفاظ على الإجماع.

عكس التصويت انقسامًا تقليديًا بين “الصقور” و”الحمائم” وتحديد المخاطر الأكبر:

  • المُعارض المتشدد (الصقر): أيّد المحافظ ستيفن ميران خفضًا أكبر بنصف نقطة مئوية، حيث يرى أن المخاطر تكمن بشكل متزايد في تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو خروج عن الموقف التقليدي للصقور الذين عادة ما يركزون على التضخم.
  • المُعارضان الحذِران (الحمائم): فضّل رئيسا البنوك الإقليمية جيفري شميد (كانساس سيتي) وأوستن جولسبي (شيكاغو) الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، ربما تخوفاً من أن الخفض الثالث قد يبعث برسالة خاطئة ويؤدي إلى عودة ارتفاع التضخم أو الإضرار بمصداقية البنك في مكافحة الأسعار.

يجسد هذا التباين صعوبة التوصل إلى إجماع في مهمة الموازنة بين هدفي الفيدرالي الأمريكي، وهما استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف، خاصة مع تزايد الشكوك حول التوقعات الاقتصادية المستقبلية.

إشارات التحوط للمسار المستقبلي للسياسة النقدية

مع تسجيل الخفض الثالث على التوالي، يتحول تركيز الأسواق والمحللين إلى الخطوات التالية للجنة. وجاء في بيان ما بعد الاجتماع لغة حذرة تم استخدامها سابقًا، وتحديداً في ديسمبر 2024:

“في النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم دقيق للبيانات الواردة، والتوقعات المتطورة، وموازنة المخاطر.”

تاريخياً، أشارت هذه اللغة في السابق إلى توقف مؤقت في دورة خفض الفائدة، وهو ما حدث في العام الماضي قبل استئناف التخفيضات في سبتمبر. مما يعزز التوقعات بأن يكون هذا الخفض الأخير لفترة من الوقت، وأن المساحة المتبقية لمزيد من التخفيضات للفيدرالي الأمريكي أصبحت هامشية جداً نظراً لاقتراب المعدل من مستوى “حيادي” مقدّر.

مؤشر “النقاط” وتوقعات 2026-2027

لمحاولة استشفاف المسار المستقبلي لـ السياسة النقدية، يشير مخطط “النقاط” (Dot Plot) الذي يوضح توقعات المسؤولين الأفراد، إلى خفض واحد فقط في عام 2026 وآخر في عام 2027، قبل أن يصل معدل الأموال الفيدرالية إلى هدفه طويل الأجل عند حوالي 3%. هذه التوقعات بقيت دون تغيير عن تحديث سبتمبر، لكن الانقسام لم يقتصر على الأعضاء المصوتين فحسب؛ فقد سجل أربعة أعضاء غير مصوتين “معارضة ناعمة”، والأهم من ذلك أن سبعة مسؤولين أشاروا إلى أنهم لا يرغبون في رؤية أي تخفيضات على الإطلاق في العام المقبل. هذا يؤكد أن الإبطاء في وتيرة التخفيضات ليس مجرد تحوط لفظي، بل هو انعكاس لأغلبية حذرة داخل اللجنة ترى أن الوصول إلى معدل الفائدة طويل الأجل لا يزال بعيد المنال.

الاقتصاد والتضخم: تحديات فوق هدف 2%

على الصعيد الاقتصادي، رفع الفيدرالي الأمريكي توقعاته الإجمالية للناتج المحلي الإجمالي (GDP) لعام 2026 بمقدار نصف نقطة مئوية لتصل إلى 2.3%، وهي إشارة إيجابية تدل على مرونة الاقتصاد وقوته المتبقية. ومع ذلك، لا تزال اللجنة تتوقع أن يستمر التضخم في الارتفاع فوق هدفه البالغ 2% حتى عام 2028، وهو ما يمثل إخفاقاً ضمنياً في تحقيق الهدف الأساسي لاستقرار الأسعار على المدى القريب.

  • التضخم العنيد: لا تزال الأسعار مرتفعة بشكل عنيد؛ فمقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي الأمريكي، وهو معدل الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE)، سجل معدلاً سنوياً قدره 2.8% في سبتمبر. رغم أنه بعيد عن الذروة التي بلغها قبل بضع سنوات، إلا أنه لا يزال أعلى بكثير من هدف البنك المركزي. وتزيد صعوبة اتخاذ القرار من تأخر البيانات الرسمية أو فقدانها بالكامل بسبب الإغلاق الحكومي الذي استمر حتى 12 نوفمبر، مما دفع الفيدرالي الأمريكي للاعتماد على بيانات غير رسمية أو متأخرة.
  • سوق العمل الهش: تشير البيانات المتوفرة إلى مناخ “توظيف منخفض وتسريح منخفض” في سوق العمل، حيث يتردد أرباب العمل في إضافة أعداد كبيرة أو تسريح أعداد كبيرة من العمال. لكن المؤشرات غير الرسمية، مثل إعلانات التسريح التي تجاوزت 1.1 مليون حتى نهاية نوفمبر، تشير إلى أن تخفيضات أكبر في الرواتب قد تكون قادمة، مما يزيد من تعقيد مهمة السياسة النقدية.

خطوة شراء السندات واستئناف التيسير الكمي

بالإضافة إلى قرار سعر الفائدة، أعلن الفيدرالي الأمريكي استئناف شراء سندات الخزانة، متابعاً إعلانه في اجتماع أكتوبر بوقف تسييل ميزانيته العمومية هذا الشهر. تأتي هذه الخطوة استجابة للمخاوف بشأن الضغوط المتزايدة في أسواق التمويل لليلة واحدة (الريبو).

سيبدأ البنك المركزي بشراء 40 مليار دولار من سندات الخزانة اعتباراً من يوم الجمعة. ومن المتوقع أن تظل المشتريات “مرتفعة لبضعة أشهر” قبل أن يتم “تخفيضها بشكل كبير”. من المهم الإشارة إلى أن استئناف شراء سندات الخزانة يختلف عن برامج التيسير الكمي الكبيرة السابقة، حيث يهدف بشكل خاص إلى تخفيف الضغط في أسواق الريبو، وهو اضطراب “تقني” يؤثر على سيولة البنوك، وليس محاولة لإطلاق برنامج تحفيز واسع للاقتصاد.

الضغوط السياسية وتعيين رئيس الفيدرالي الجديد

تأتي هذه التحركات في وقت حرج لـ الفيدرالي الأمريكي. يقترب الرئيس جيروم باول من نهاية ولايته الثانية، حيث لم يتبق له سوى ثلاثة اجتماعات قبل أن يفسح المجال لمرشح الرئيس دونالد ترامب.

تضفي مسألة تعيين رئيس الفيدرالي الأمريكي الجديد طبقة من الشك وعدم اليقين. أشار الرئيس ترامب إلى أنه سيختبر اختياره لمنصب رئيس البنك المركزي بناءً على تفضيله لأسعار الفائدة المنخفضة بدلاً من الالتزام بالولاية المزدوجة للبنك. هذه الإشارة تتعارض مباشرة مع مبدأ استقلالية البنك المركزي وولايته المزدوجة. المرشح المرجح، كيفن هاسيت، يُعتبر ميالاً سياسياً، مما يهدد استقلالية السياسة النقدية. تشير أسواق التوقعات، وتحديداً “كالشي”، إلى أن فرص هاسيت في الحصول على ترشيح تبلغ 72%، متقدماً بفارق كبير على حاكم الفيدرالي الأمريكي السابق كيفن وارش، مما يجعل الأسواق تراهن بقوة على مرشح قد يفضل التخفيضات التي قد لا تكون مبررة اقتصادياً بالكامل.

ختاماً، يواجه الفيدرالي الأمريكي فترة حرجة تتطلب موازنة دقيقة بين خفض التضخم دون التسبب في ركود، وكل ذلك يتم وسط خلافات داخلية وضغوط سياسية خارجية تزيد من تعقيد مهمة الحفاظ على استقلالية وفعالية السياسة النقدية الأمريكية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى