الذهب يرتفع قبيل اجتماع الفيدرالي: ما هي التوقعات الجديدة لأسعار الذهب؟

شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً ملحوظاً يوم الثلاثاء، حيث يقوم المستثمرون بإعادة تموضع محافظهم تحسباً لقرار خفض سعر الفائدة الذي يتوقعه السوق على نطاق واسع من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه المقرر في ديسمبر. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من تركيز السوق قد تحول نحو الإشارات التي قد يرسلها صانعو السياسة بشأن المسار المستقبلي لعملية التيسير النقدي. ويُنظر إلى مستوى 4,200 دولار للأوقية على أنه نقطة دعم نفسية وفنية مهمة، ونجاح المعدن الأصفر في التمسك بهذا المستوى يعكس الثقة المستمرة في جاذبيته.
ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.47% ليصل إلى 4,208.39 دولار للأوقية بحلول الساعة 09:20 بتوقيت جرينتش، كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأمريكي لتسليم فبراير بنسبة 0.48% لتسجل 4,237.80 دولار للأوقية.
التوقعات المتضاربة لأسعار الذهب والسياسة النقدية
على الرغم من الثقة المستمرة في قيام الفيدرالي بمزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن الإشارات الصادرة عن البنك المركزي توحي باتباع نهج أكثر حذراً وتدريجياً في عملية التيسير. ووفقاً لأداة “فيدواتش” التابعة لـ CME، تبلغ احتمالية خفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس 89% عند اختتام اجتماع السياسة النقدية يوم الأربعاء.
بشكل عام، تميل أسعار الفائدة المنخفضة إلى أن تكون في صالح الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب، مما يجعله ملاذاً جاذباً في ظل التوقعات المتزايدة لإنهاء دورة التشديد النقدي. ويرى زين فودا، المحلل في “ماركت بالس” التابعة لـ OANDA، أنه “لا يوجد تغيير في الصورة العامة لـ أسعار الذهب باستثناء احتمال جني بعض الأرباح وإعادة التموضع قبيل اجتماع الفيدرالي”.
يتوقع المحللون على نطاق واسع ما يُعرف بـ “خفض متشدد” (Hawkish Cut) هذا الأسبوع، مصحوباً بتوجيهات وتوقعات تُشير إلى أن عتبة إجراء المزيد من التيسير ستكون مرتفعة العام المقبل. ويعني هذا السيناريو أن الفيدرالي سيقوم بخفض الفائدة كما هو متوقع، لكنه سيستخدم مخطط النقاط (Dot Plot) والبيانات المرافقة لرفع توقعات أسعار الفائدة لعام 2026، مما يقلص عدد التخفيضات المتوقعة لاحقاً. هذه النبرة الحذرة تهدف إلى منع انهيار عوائد سندات الخزانة الأمريكية والحفاظ على قوة الدولار، ما يقلل من جاذبية الذهب كأصل بديل بلا عائد، وبالتالي يحد من الارتفاع القوي والمستدام في أسعار الذهب على المدى القريب، على الرغم من قرار الخفض نفسه.
نظرة على البيانات الاقتصادية الأمريكية الداعمة والمعقدة
تأتي حركة الذهب هذه وسط صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية التي تراقبها الأسواق عن كثب:
- مؤشر التضخم المفضل للفيدرالي: أظهرت البيانات الأسبوع الماضي أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم، بخلاف مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، جاء متوافقاً مع التوقعات، بينما تحسن مؤشر ثقة المستهلك في ديسمبر. يعتبر هذا المؤشر حاسماً لأنه يشمل نطاقاً أوسع من السلع والخدمات ويقلل من تقلب أسعار الطاقة والغذاء (Core PCE)، مما يوفر صورة أكثر وضوحاً لاتجاهات الأسعار الأساسية. ثبات هذا المؤشر يدعم فكرة التيسير لكنه لا يدفع الفيدرالي للتحرك بحدة.
- سوق العمل: سجلت بيانات التوظيف الخاصة لشهر نوفمبر أكبر انخفاض لها منذ أكثر من عامين ونصف، على الرغم من أن مطالبات البطالة الأسبوعية للفترة المنتهية في 28 نوفمبر تراجعت إلى أدنى مستوى لها في ثلاث سنوات. يشير هذا التناقض إلى مشهد مختلط؛ ففي حين أن تراجع التوظيف الخاص يدل على تباطؤ اقتصادي يدعم خفض الفائدة، فإن انخفاض مطالبات البطالة الأسبوعية يعكس استمرار مرونة سوق العمل وعدم وجود انهيار كامل، مما يمنح الفيدرالي مساحة أكبر للحذر والتمهل في مسار التيسير.
توقعات المعادن الثمينة الأخرى: الفضة والبلاتين
بالتوازي مع ارتفاع الذهب، سجلت المعادن الثمينة الأخرى أيضاً مكاسب قوية:
- الفضة: ارتفعت بنسبة 1.17% لتصل إلى 58.80 دولار للأوقية. وكانت الفضة قد سجلت أعلى مستوى قياسي لها عند 59.32 دولار يوم الجمعة الماضي. ويعزو المحللون هذا الارتفاع إلى النقص الحاد في الإمدادات المادية واستنفاد المخزونات، مدعوماً بتوقعات خفض الفائدة. تعتبر الفضة أصلاً مزدوجاً، فهي ملاذ آمن وتستخدم في الصناعة (خاصة الطاقة الشمسية). ويشير ارتفاعها القوي إلى تضافر عاملين: التحسن في المعنويات الكلية وتوقعات التيسير، بالتزامن مع قيود العرض الحقيقي، مما يجعلها الأصل الأكثر تقلبًا بين المعادن الثمينة حاليًا.
- المعادن الأخرى: ارتفع البلاتين بنسبة 0.68% إلى 1,653.40 دولار للأوقية، بينما صعد البلاديوم بنسبة 0.6% ليصل إلى 1,474.00 دولار للأوقية.
ويشير دات تونج، الخبير الاستراتيجي في الأسواق المالية لدى Exness، إلى أن أسعار الفضة قد تتماسك في نطاق واسع يتراوح بين 55 و 60 دولاراً حتى نهاية العام، اعتماداً على كيفية تطور توقعات السياسة النقدية.
ختاما تظل أسعار الذهب مدعومة بقوة بتوقعات خفض أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي، مما يوفر بيئة إيجابية للمعدن الأصفر. ومع ذلك، فإن التركيز سينصب على نبرة الفيدرالي وتوجيهاته المستقبلية التي قد تفرض حذراً على المستثمرين، خصوصاً وأن “الخفض المتشدد” قد يؤدي إلى إعادة تقييم مسار التيسير، جاعلاً أي صعود مستقبلي للذهب مرهوناً بمدى التزام الفيدرالي فعلياً بخفض الفائدة خلال العام المقبل، وليس فقط قرار هذا الأسبوع.
اقرأ أيضا…



