ترامب يثير مخاوف الاحتكار حول صفقة استحواذ نتفليكس على أصول وارنر براذرز ديسكفري

في تطور مفاجئ يلقي بظلال من الشك على واحدة من أضخم صفقات الاندماج المقترحة في قطاع الإعلام والترفيه، أعرب الرئيس السابق دونالد ترامب عن تحفظه الشديد بشأن خطة استحواذ نتفليكس على أجزاء حيوية من شركة وارنر براذرز ديسكفري (WBD). وتأتي هذه التصريحات لتؤكد أن المعركة التنظيمية للصفقة التي تقدر قيمتها بنحو 83 مليار دولار ستكون صعبة وطويلة، خاصة مع إشارة ترامب إلى أنه سيكون طرفاً فاعلاً في عملية الموافقة. ويُعد هذا التدخل السياسي المباشر في مرحلة مبكرة من المفاوضات مؤشراً على أن الصفقة ستواجه تدقيقاً غير مسبوق من السلطات التنظيمية الأمريكية المعنية بمكافحة الاحتكار.
تضخم الحصة السوقية يهدد المنافسة وسلطة التسعير
يكمن جوهر الاعتراض الذي أثاره ترامب في مسألة الحصة السوقية الهائلة التي ستحصل عليها نتفليكس. فبالإضافة إلى هيمنتها الحالية كأكبر عملاق للبث التدفقي العالمي، فإن ضم استوديوهات الأفلام وأصول البث التابعة لـ WBD، بما في ذلك خدمة HBO Max ومكتبتها الغنية بالمحتوى الفائز بالجوائز، سيرفع من حصتها وسيطرتها على قطاع الإنتاج والتوزيع بشكل كبير.
وصرح ترامب للصحفيين: “لديهم حصة سوقية كبيرة جداً، وعندما يحصلون على وارنر براذرز، تعلمون، فإن تلك الحصة ترتفع كثيراً… قد تكون مشكلة”. وأشار إلى أن الأمر متروك “لبعض الاقتصاديين ليقولوا” ما إذا كان يجب السماح بالصفقة. إن القلق الاقتصادي هنا يتمحور حول ما يُعرف بقوة التسعير (Pricing Power)؛ فكلما زادت سيطرة نتفليكس على المحتوى، زادت قدرتها على رفع أسعار الاشتراكات دون خوف من خسارة الجمهور لصالح منافسين أضعف.
هذا القلق لا يقتصر على البيت الأبيض السابق فحسب، بل يتوافق مع آراء المشرعين الحاليين، ومن بينهم السيناتور إليزابيث وارن التي وصفت الصفقة بأنها “كابوس مكافحة الاحتكار”. ويؤكد هذا الإجماع أن المراجعة التنظيمية الأمريكية ستتعامل مع هذا الاستحواذ بـ”تشكك شديد”، وفقاً لما نقله مسؤول رفيع في الإدارة السابقة، خاصة وأن الاستحواذ سيقلص عدد المشترين الرئيسيين للمحتوى من المنتجين المستقلين، مما يضر بالابتكار.
منافسة شرسة وعوائق تنظيمية دولية: معركة باراماونت
لم تقتصر التحديات على المخاوف التنظيمية المحلية، بل امتدت إلى ساحة المنافسة المباشرة والخصومات السياسية. فبعد خسارتها لفرصة الاستحواذ أمام نتفليكس، أعلنت شركة باراماونت سكايدانس، المدعومة من الملياردير لاري إليسون المقرب من ترامب، إطلاق عرض استحواذ عدائي لشراء كامل أسهم WBD. وهذا يضع الصفقة في قلب صراع بين القوى الاقتصادية والسياسية في واشنطن.
هذا التنافس يؤكد أهمية أصول WBD. وفي رسالة حاسمة، حذرت باراماونت محاميي WBD من أن البيع لنتفليكس “من المرجح ألا يتم إغلاقه أبداً” بسبب العوائق التنظيمية القوية المتوقعة ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن أيضاً في الخارج، وفقاً لتقارير صحيفة “وول ستريت جورنال”. وقد لجأت باراماونت إلى ورقة “مخاطر الإغلاق التنظيمي” كأداة ضغط لتبرير عرضها المنافس. وتجدر الإشارة إلى أن كومكاست كانت أيضاً من بين الشركات التي سعت لشراء أصول الأفلام والبث التدفقي التابعة لـ WBD. من جهته، أكد ديفيد إليسون، الرئيس التنفيذي لباراماونت، أن “محادثات رائعة” جرت مع الرئيس ترامب، ما يوضح الأبعاد السياسية التي تحيط بكل حركة في هذه الصفقة العملاقة.
مشهد إعلامي جديد وإعادة هيكلة WBD الاستراتيجية
على صعيد متصل بالصفقة، تخطط وارنر براذرز ديسكفري لإجراء عملية فصل لأصولها الأخرى تحت مسمى “ديسكفري جلوبال”، والتي ستشمل قنوات كبرى متخصصة في الأخبار والرياضة والبرامج الوثائقية مثل CNN و TNT Sports وقنوات ديسكفري. هذا الفصل الهيكلي يشير إلى تحول جذري في المشهد الإعلامي حيث تسعى الشركات لتركيز عملياتها الأساسية: فبينما تتجه نتفليكس للاستحواذ على الأصول الموجهة نحو الترفيه السينمائي والدرامي المتميز (HBO Max)، تحتفظ WBD لنفسها بالشبكات التي تعتمد على البث الخطي المباشر والمحتوى غير المكتوب.
إن التدخل السياسي والرقابي المتوقع من قبل إدارة ترامب يضيف طبقة جديدة من التعقيد لهذه الصفقة، محولاً إياها من مجرد صفقة تجارية ضخمة إلى اختبار حقيقي لحدود قوانين مكافحة الاحتكار في عصر هيمنة شركات البث التدفقي، مما يهدد بإبطاء زخم نمو أكبر منصة ترفيه في العالم.
اقرأ أيضا…



