أسعار النفط تتراجع ترقبا لمفاوضات أوكرانيا وقرار الفيدرالي الأمريكي المرتقب

شهدت أسعار النفط تراجعاً طفيفاً مع بداية الأسبوع، حيث يراقب المستثمرون عن كثب مسار المفاوضات الجارية لإنهاء الصراع في أوكرانيا، بالتزامن مع ترقب قرار البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المتوقع حول أسعار الفائدة. وتأتي هذه التحركات بعد أن أغلقت عقود خام برنت وغرب تكساس (WTI) تعاملات الجمعة عند أعلى مستوياتها منذ 18 نوفمبر، مما يشير إلى حالة من الترقب والحذر في الأسواق.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.9% لتسجل 63.18 دولاراً للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس بنسبة 1% ليبلغ 59.48 دولاراً. هذه الانخفاضات تعكس رغبة المتداولين في جني الأرباح جزئياً، لكنها تشير بشكل أساسي إلى ضغوط بيع فورية مرتبطة بالسيناريوهات الجيوسياسية والنقدية المتوقعة والتي قد تقلب موازين العرض والطلب العالمية في المدى القريب.
المحادثات الأوكرانية تفرض ضغطاً هبوطياً على أسعار النفط
يُعدّ التقدم المحتمل في محادثات السلام الأوكرانية بمثابة الخطر الأكبر على الجانب الهبوطي لأسعار النفط العالمية. وفي هذا السياق، يشير تاماس فارجا، محلل سوق النفط في PVM، إلى أن أي اتفاق وشيك أو حتى بوادر انفراجة ملموسة قد تؤدي إلى زيادة سريعة في صادرات النفط الروسي، مما يضع ضغوطاً هبوطية مباشرة على الأسعار، خاصة أن السوق يمتص حالياً مخاطر التعطيل المستمر لهذه الإمدادات.
وفي الوقت الذي يواجه فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قادة أوروبيين في لندن اليوم لمناقشة دعم كييف ومسار الحل، يرى محللو ANZ أن النتائج المحتملة للجهود الأخيرة لإنهاء الحرب، التي تتضمن مقترحات لحل سياسي، قد تؤدي إلى إطلاق إمدادات نفطية متغيرة قد تتجاوز 2 مليون برميل يومياً. هذه الكمية الضخمة من النفط، إذا ما دخلت السوق فجأة، ستغير توازن العرض والطلب بشكل جذري وتضع حداً سريعاً للارتفاعات الأخيرة. ومع ذلك، يظل التقدم بطيئاً ومثقلاً بالخلافات الجوهرية حول الضمانات الأمنية لكييف ووضع الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، مما يبقي على حالة عدم اليقين الجيوسياسية كداعم ضمني لأسعار النفط في الوقت الراهن.
توقعات خفض الفائدة الأمريكية تُقسم الأسواق وتُقلّب أسعار النفط
على الصعيد النقدي، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً بنسبة 84% لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة أساس في اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المرتقب الثلاثاء والأربعاء. ويُنظر إلى هذا الخفض المتوقع على أنه دعم محتمل لأسعار السلع الأولية عموماً، بما في ذلك النفط، كونه يشير إلى تيسير نقدي يحفز النمو الاقتصادي والطلب.
وعلى الرغم من الإجماع الواسع نسبياً على الخفض، فإن تعليقات أعضاء المجلس تشير إلى أن الاجتماع قد يكون أحد أكثر اجتماعات البنك انقساماً منذ سنوات. ويُركز المستثمرون بشكل مكثف على اتجاه السياسة النقدية والديناميكيات الداخلية للبنك، حيث يؤدي خفض الفائدة إلى إضعاف الدولار، ما يجعل النفط المسعّر بالعملة الأمريكية أرخص للمشترين حاملي العملات الأخرى، مما يزيد من جاذبيته الاستثمارية. لكن التأثير لا يقتصر على سعر الصرف؛ فتأثيره النفسي على التوقعات الاقتصادية الأوسع، من حيث إشارة الفيدرالي إلى ضعف محتمل أو قوة مستمرة، يظل عاملاً حاسماً في تحديد مسار تحركات أسعار النفط وعقودها الآجلة. أي تلميح إلى أن التضخم لا يزال يشكل تحدياً قد يؤدي إلى تراجع توقعات النمو، وبالتالي انخفاض الطلب على الطاقة.
الضغوط الجيوسياسية المتزايدة على الإمدادات ومخاطر العقوبات الجديدة
بعيداً عن أوكرانيا، تتجه مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي لمناقشة استبدال سقف أسعار صادرات النفط الروسي بحظر كامل للخدمات البحرية (مثل الشحن والتأمين). إذا تم تطبيق هذا الإجراء، فمن المرجح أن يقلل ذلك بشكل كبير من الإمدادات الخارجة من روسيا، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، مما يخلق صدمة إيجابية فورية على أسعار النفط. إن الحظر الكامل للخدمات البحرية يمثل تشديداً كبيراً على العقوبات الحالية، التي تسمح بشراء النفط الروسي إذا كان أقل من السقف المحدد، مما يعكس تصميماً غربياً على تقليص الإيرادات الروسية.
وفي الوقت ذاته، تتزايد الضغوط على فنزويلا (عضو أوبك)، بما في ذلك ضربات أمريكية ضد قوارب مزعومة لتهريب المخدرات وحديث عن إجراءات قد تستهدف الرئيس نيكولاس مادورو. مثل هذه التصعيدات في أمريكا اللاتينية تزيد من العلاوة الجيوسياسية للنفط، حيث تضع احتمالية لتعطيل الإنتاج الفنزويلي، رغم أنه لا يشكل حالياً سوى جزء ضئيل من الإنتاج العالمي. في المقابل، تشير تقارير إلى أن المصافي الصينية المستقلة كثفت مشترياتها من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، مستخدمة حصص استيراد جديدة. هذا التداول غير الرسمي، الذي يتم عبر سفن “أشباح” وعمليات نقل من خزان إلى خزان، يساهم في إبقاء كميات كبيرة من النفط في السوق، مما ساعد في تخفيف حدة تخمة المعروض الآسيوية ويوازن جزئياً تأثير العقوبات المشددة على مصدرين آخرين.
التوقعات المستقبلية
يرى فيفيك دار، محلل في بنك الكومنولث الأسترالي، أن وقف إطلاق النار يمثل الخطر الهبوطي الرئيسي لتوقعات أسعار النفط في الأجل المتوسط. ويتوقع دار أن مخاوف زيادة المعروض ستتحقق في نهاية المطاف، خاصة مع تجاوز تدفقات النفط الروسي المشتقات الحالية للعقوبات وإيجاد طرق جديدة لتداولها، مما يدفع العقود الآجلة تدريجياً نحو 60 دولاراً للبرميل بحلول عام 2026. في المقابل، يبقى الضرر المستدام للبنية التحتية الروسية للنفط نتيجة الصراع هو الخطر الصعودي الأبرز، إذ أن القدرة على استئناف الإنتاج بعد وقف إطلاق النار ستكون محكومة بمدى الأضرار التي لحقت بالمناطق الحيوية لإنتاج وتصدير النفط.
اقرأ أيضا…



