أسعار النفط: استقرار حذر بين جمود أوكرانيا وتخمة الإمدادات المتوقعة

تبدو أسواق الطاقة العالمية وكأنها تقف على أرضية مهتزة من التوازن الهش، حيث سجلت أسعار النفط استقراراً حذراً يوم الجمعة، متأثرة بمجموعة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية المتعارضة. هذا الاستقرار يعكس صراعاً داخلياً بين محفزات الارتفاع، المتمثلة في جمود محادثات السلام الأوكرانية، وعوامل الضغط النزولي التي تفرضها توقعات التخمة في الإمدادات العالمية. إن هذا التراوح يبرز عجز السوق عن ترجيح كفة أي من الروايتين، الصاعدة أو الهابطة، مما يدفع المتعاملين لتبني استراتيجيات تداول حذرة في انتظار محفزات أكثر حسماً.
تحليل حركة الأسعار الأسبوعية ومقارنة بين الخامات
شهدت حركة أسعار النفط اليومية استقراراً نسبياً، حيث تراجع خام برنت بشكل طفيف بنسبة 0.1% ليستقر عند 63.18 دولاراً للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس (WTI) بنسبة 0.2% إلى 59.53 دولاراً للبرميل.
ومع ذلك، وعلى صعيد التداولات الأسبوعية، كان الاتجاه العام يميل نحو الدعم. حيث أنهى خام غرب تكساس الوسيط أسبوعه مسجلاً مكاسب بنحو 1.7%، ليؤكد بذلك ارتفاعه للأسبوع الثاني على التوالي. ويشير تاماس فارغاس، محلل أسواق النفط في PVM، إلى أن السوق يشهد “تداولاً هادئاً” نتيجة لـ “قوتين متضادتين تجعلان التداول هادئاً على ما يبدو”. إن تفوق أداء خام غرب تكساس الوسيط أسبوعياً على خام برنت الأكثر عالمية قد يعكس تفاؤلاً أقوى حيال قوة الطلب المحلي في الولايات المتحدة أو نقصاً محلياً في الإمدادات الأمريكية.
القوى المتعارضة: التوترات الجيوسياسية مقابل وفرة الإمدادات
تعتمد طبيعة التداول الحالية على مفارقة واضحة: التوترات الجيوسياسية توفر خلفية صاعدة للأسعار، بينما وفرة الإنتاج تضغط عليها.
دور محادثات أوكرانيا وسياسات الإمداد العالمية
يُعدّ تعثر محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا عاملاً أساسياً في دعم أسعار النفط. فاستمرار الحرب يفرض “علاوة مخاطر” دائمة على الأسعار، ويقلل من احتمالية التوصل إلى صفقة تسمح بعودة النفط الروسي إلى السوق بكميات كبيرة. إن عودة الإمدادات الروسية المعاقبة إلى التداول الطبيعي من شأنه أن يغرق السوق بكميات هائلة، وهو ما كان سيتسبب في انخفاض حاد للأسعار.
في المقابل، تعمل طمأنة تحالف “أوبك+” على أن الإنتاج سيظل ثابتاً حتى أوائل العام المقبل كعامل دعم للأسعار، كما يذكر آن فام، كبير المتخصصين في الأبحاث في LSEG. ومع ذلك، فإن هذه السياسة لا تستطيع إخفاء حقيقة وجود فائض متزايد في الإمدادات. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قرار المملكة العربية السعودية بخفض أسعار بيع خامها الخفيف العربي لآسيا لشهر يناير إلى أدنى مستوى لها في خمس سنوات. هذا الخفض العميق في الأسعار يبرز شدة المنافسة في السوق الآسيوية الحيوية، وحاجة الرياض للحفاظ على حصتها السوقية في مواجهة الإمدادات المتزايدة من خارج “أوبك” مثل النفط الصخري الأمريكي.
عوامل الدفع المستقبلية التي تراقبها الأسواق
تتجه الأنظار نحو عاملين رئيسيين يمكن أن يدعما أسعار النفط في الأجل القريب:
- خفض أسعار الفائدة الأمريكية وتأثيره على الطلب: يتوقع 82% من الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع رويترز خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع القادم. إن خفض الفائدة يمثل دفعة اقتصادية ونفسية للمستثمرين. فهو لا يقتصر على تحفيز النمو الاقتصادي فقط عبر تسهيل الاقتراض، بل يزيد أيضاً من الثقة في أن التضخم تحت السيطرة. هذا التحفيز يؤدي مباشرة إلى زيادة النشاط الصناعي والاستهلاكي، مما يرفع الطلب على الوقود ومنتجات الطاقة بشكل عام.
- التوترات مع فنزويلا والمخاطر المحددة على الإمدادات الآسيوية: يشكل احتمال أي تصعيد عسكري أمريكي تجاه فنزويلا خطراً كبيراً على إنتاج البلاد النفطي البالغ 1.1 مليون برميل يومياً. ووفقاً لـ Rystad Energy، فإن هذا الإنتاج يذهب معظمه إلى الصين. وأي تعطيل لهذا التدفق النفطي لن يؤثر على الإمدادات العالمية فحسب، بل سيتسبب في ضغط محدد على سلسلة الإمدادات الآسيوية، وقد يؤدي إلى ارتفاع في التقلبات السعرية في المنطقة.
في الختام، تبقى أسعار النفط رهينة لتوازن دقيق بين المخاطر الجيوسياسية التي تقيد العرض وتفرض علاوة سعرية، والتوقعات الاقتصادية التي تحفز الطلب، وبين الفائض الملموس في الإمدادات الذي يجبر كبار المنتجين على خفض أسعار البيع للحفاظ على موطئ قدم لهم في الأسواق الرئيسية.
اقرأ أيضا…



