الأسهم الأمريكية: داو جونز يسجل رقما قياسيا وناسداك يتراجع ترقباً لانتهاء الإغلاق الحكومي

شهدت أسواق الأسهم الأمريكية تبايناً ملحوظاً في ختام تداولات يوم الأربعاء، في مشهد يعكس حالة من الترقب والحذر بين المستثمرين. ففي الوقت الذي ارتفع فيه مؤشر داو جونز الصناعي ليحقق إغلاقاً قياسياً جديداً، تراجع مؤشر ناسداك الذي يغلب عليه قطاع التكنولوجيا. وقد جاء هذا التباين مدفوعاً بتوقعات قوية تشير إلى قرب التوصل لاتفاق لإنهاء أطول إغلاق للحكومة الأمريكية في التاريخ. هذا الإغلاق كان قد بدأ يهدد بفرض أضرار اقتصادية واسعة، بما في ذلك تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول وتآكل ثقة المستهلك والأعمال، ما دفع المستثمرين لإعادة ترتيب محافظهم والتحول من أسهم التكنولوجيا عالية النمو إلى قطاعات أخرى تعتبر أكثر رسوخاً واستقراراً.
صعود داو جونز وتراجع عمالقة التكنولوجيا
انتهت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت بأداء مختلط، حيث سجلت المؤشرات الأقل اعتماداً على التكنولوجيا مكاسب قوية:
- مؤشر داو جونز (DJI): سجل ارتفاعاً قوياً بنسبة 0.7%، محققاً إغلاقه القياسي السابع عشر هذا العام. يضم مؤشر داو جونز 30 شركة أمريكية عملاقة ورائدة في قطاعاتها (Blue-Chip Stocks)، وهي شركات أقل تقلباً من الناحية التاريخية. ويُعزى هذا الصعود إلى التحول في رؤوس الأموال بعيداً عن الأسهم التقنية، والتركيز على الشركات التي تستفيد مباشرة من استقرار الإنفاق الحكومي وعودة العمليات الفيدرالية، لا سيما في قطاعات البنوك والصناعات الثقيلة التي تشكل جزءاً كبيراً من المؤشر.
- مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (SPX): ارتفع بشكل طفيف بنسبة 0.06%، ليظل قريباً من مستوياته القياسية.
- مؤشر ناسداك (IXIC): شهد انخفاضاً بنسبة 0.26%، حيث قام المستثمرون بعمليات جني أرباح في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى (Tech Titans). يُعد ناسداك معياراً لشركات التكنولوجيا والنمو، وأي تراجع فيه يشير عادةً إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر نفوراً من المخاطر المرتبطة بالأسهم ذات التقييمات العالية.
كان أبرز دليل على التحول هو انزلاق مؤشر Magnificent Seven ETF، الذي يضم سبع من أكبر شركات التكنولوجيا، بأكثر من 1%، حيث شهدت أسهم عملاقة مثل ألفابيت (جوجل) وأبل وتيسلا ضغوط بيع واضحة، باستثناء ارتفاعات طفيفة لأسهم مثل مايكروسوفت (MSFT) وإنفيديا (NVDA) التي لا تزال تحظى بتفاؤل كبير حول تطورات الذكاء الاصطناعي.
لماذا حدث هذا التباين؟
يكمن السبب الرئيسي وراء الأداء المتباين للأسهم الأمريكية في الآتي:
- التحول القطاعي (Sector Rotation): مع تزايد احتمالات انتهاء إغلاق الحكومة الأمريكية الوشيك، يميل المستثمرون إلى نقل الأموال من أسهم “النمو” (Growth Stocks) إلى أسهم “القيمة” (Value Stocks). تتميز أسهم النمو بارتفاع تقييماتها وتعتمد على توقعات نمو الأرباح المستقبلية (مثل التكنولوجيا)، بينما تتميز أسهم القيمة بانخفاض نسب السعر إلى الأرباح (P/E) وتدفع أرباحاً منتظمة، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلامة الاقتصاد الكلي. هذا التحول يفسر ارتفاع مؤشر داو جونز، الذي يضم شركات صناعية ومالية كبرى تُعتبر أسهم قيمة وستستفيد من انتعاش الإنفاق الحكومي والأنشطة الاقتصادية المعطلة.
- قلق التقييمات (Valuation Concerns) وجني الأرباح:بعد الارتفاعات الهائلة التي سجلتها أسهم التكنولوجيا في الفترة الماضية، يرى بعض المستثمرين أن تقييماتها أصبحت مرتفعة جداً، وأن الوقت قد حان لجني الأرباح، خاصة مع اقتراب الأزمة السياسية من الحل. عملية جني الأرباح هذه تعني ببساطة أن المستثمرين الذين اشتروا هذه الأسهم بأسعار منخفضة يختارون بيعها الآن للاستفادة من المكاسب التي تحققت، مما يضع ضغطاً هبوطياً على أسعارها.
أداء القطاعات الأخرى وإغلاقات قياسية جديدة
لم يقتصر التفاؤل على مؤشر داو جونز فحسب، بل امتد ليلامس عدداً من المؤشرات الأخرى التي سجلت إغلاقات قياسية جديدة، مما يؤكد على توسع نطاق السوق وتفاؤل المستثمرين بعودة الاستقرار:
- مؤشر داو جونز المركب (.DJA): الذي يشمل الأسهم الصناعية والنقل والمرافق، سجل رقماً قياسياً جديداً. ويعد أداء قطاع النقل مؤشراً حيوياً على صحة الاقتصاد الأمريكي بشكل عام، حيث يشير ارتفاعه إلى توقعات بزيادة حجم الشحن التجاري والطلب الاستهلاكي.
- مؤشر NYSE Composite (NYA) ومؤشر S&P 500 للخدمات المصرفية (.SPXBK) سجلوا إغلاقات قياسية.
كما أظهرت أسهم أشباه الموصلات (Chip Stocks) قوة واضحة، حيث ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات (SOX) بنحو 1.5%، ما يشير إلى أن الطلب الأساسي على التكنولوجيا والمعدات لا يزال قوياً رغم عمليات جني الأرباح في الأسهم التكنولوجية الكبرى. ويُعتبر هذا المؤشر مقياساً مهماً للطلب العالمي على التكنولوجيا، لأن الرقائق تدخل في كل شيء تقريباً، من الهواتف إلى السيارات ومراكز البيانات.
الخلاصة: نظرة على المدى القريب
إن الأداء المتباين في وول ستريت عشية التصويت المرتقب لإنهاء إغلاق الحكومة الأمريكية يُظهر أن الأسواق تتنفس الصعداء جزئياً. فبينما يرى مؤشر داو جونز في الاستقرار السياسي فرصة لدفع الأسهم القيمة، يواجه ناسداك ضغوطاً من تداولات جني الأرباح. الأهم من ذلك هو أن الحركة المالية الحالية تمثل “دورة” داخلية وليست هروباً جماعياً، إذ أن رؤوس الأموال تنتقل من قطاع إلى آخر داخل سوق الأسهم بدلاً من الخروج منها نحو أدوات استثمارية أكثر أمناً مثل السندات. يشير هذا الارتفاع القياسي لمؤشر داو جونز والعديد من المؤشرات الفرعية الأخرى إلى شعور عام بالثقة في قوة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على تجاوز الأزمات السياسية المؤقتة، لكن الحذر يظل سيد الموقف حتى يتم توقيع الاتفاق بشكل نهائي.
اقرأ أيضا…



