تباين الدولار الأمريكي بين السياسة النقدية والبيانات الاقتصادية الصينية

يختتم الدولار الأمريكي هذا الأسبوع شبه مستقر، حيث يسعى المستثمرون لموازنة التوجه المتشدد للبنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) مع المخاوف المستمرة بشأن سلامة الاقتصاد الأمريكي ومرونته. لقد كان أسبوعًا حافلًا بالتناقضات والتحولات المفاجئة في المعنويات، حيث بدأ العملة الخضراء موجة مكاسب ملحوظة بعد تصريحات رئيس الفيدرالي، جيروم باول، التي شددت على الطبيعة “الخطرة” لمزيد من التيسير النقدي في بيئة لا تزال فيها مخاطر عودة التضخم قائمة. أشار باول ضمناً إلى أن الفيدرالي يفضل ارتكاب خطأ الإفراط في التشديد بدلاً من المخاطرة بالسماح لتوقعات التضخم بالارتفاع مرة أخرى. لكن هذا الزخم تراجع فجأةً إثر صدور بيانات عمل أمريكية أضعف من المتوقع.
الصراع بين “تشديد الفيدرالي” و”الغموض الاقتصادي”
في الوقت الذي يحاول فيه المستثمرون فك شيفرة لغة الاحتياطي الفيدرالي، التي تميل إلى الحذر الشديد من التخفيف والتركيز على الحاجة إلى مزيد من البيانات الداعمة، جاءت البيانات الاقتصادية الفعلية لترسم صورة أقل وردية عن صحة الاقتصاد. فقد تراجعت العملة الخضراء بحدة يوم الخميس، بعد أن أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكية الخاصة تراجعًا مفاجئًا في عدد الوظائف المضافة، تحديدًا في القطاع الحكومي وقطاع التجزئة، مما يشير إلى أن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة بدأ يضغط بشكل ملموس على التوظيف.
يرى الخبراء، مثل موهيت كومار، الخبير الاقتصادي لدى جيفريز، أن السوق تبالغ في رد فعلها تجاه أي تلميحات حول سوق العمل الأمريكي. ويشير إلى أن تعليقات باول الأخيرة تشير إلى أن “عتبة خفض أسعار الفائدة في ديسمبر عالية”، مؤكداً أن الفيدرالي يحتاج إلى أدلة قوية ومستمرة على ضعف الاقتصاد قبل أن يتحول عن مساره الحالي. وبناءً عليه، لا يزال قرار الفيدرالي في الاجتماع المقبل “عملة معدنية يتم رميها”، ويعتمد بشكل حاسم على الصورة النهائية لسوق العمل وبيانات التضخم الأساسية. هذا الترقب يغذي تقلبات الدولار حيث يتنقل المتعاملون بين احتمالية استمرار التشديد أو العودة إلى التيسير.
تداعيات إغلاق الحكومة وتأثيره على البيانات الاقتصادية
زاد الغموض الاقتصادي حدةً بسبب حالة “إغلاق الحكومة” التي طال أمدها في واشنطن، والتي تُعد الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. لم يؤدِ هذا الإغلاق إلى توقف جزء من الخدمات العامة فحسب، بل أدى أيضًا إلى تأجيل إصدار تقرير بيانات الوظائف غير الزراعية (Non-Farm Payrolls) الشهري الحاسم، وهو المؤشر الأهم الذي يعتمد عليه الفيدرالي لتحديد سياسته.
دفعت هذه التطورات المتعاملين إلى اللجوء إلى بيانات القطاع الخاص، مثل تقرير ADP للوظائف، التي أشارت إلى تسريح للوظائف في أكتوبر، خاصة مع استمرار موجة تسريحات متزايدة مرتبطة بخفض التكاليف وتزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي في عمليات الشركات الكبرى. هذه التسريحات، التي تركزت في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية، تعكس جهود الشركات للحفاظ على هوامش الربح وسط تباطؤ الطلب. وفي الوقت نفسه، ظلت عائدات سندات الخزانة الأمريكية ثابتة بعد تراجعها في اليوم السابق، حيث أن حالة عدم اليقين بشأن مسار الفيدرالي والتأخر في إصدار البيانات الرسمية تدفع المستثمرين إلى الحذر، مع تزايد الشكوك حول قدرة الاقتصاد على تحقيق “هبوط ناعم”.
الصين وأزمة الصادرات: ناقوس خطر عالمي يضغط على الدولار الأمريكي
شهدت الأسواق العالمية جرس إنذار آخر هذا الأسبوع قادمًا من آسيا وتحديداً من الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي. فقد تراجعت الصادرات الصينية بشكل غير متوقع في أكتوبر، مسجلة أشد انخفاض لها منذ فبراير الماضي. ويُعتقد أن هذا الانخفاض الحاد يعكس تراجعًا في الطلبات الأمريكية التي كانت قد سبقت الموعد لتجنب الرسوم الجمركية المفروضة سابقًا، مما أدى إلى سحب الطلب المستقبلي إلى الربع الثالث.
هذه البيانات الصينية الكئيبة تُشير بوضوح إلى أن بكين قد تكافح لتنويع صادراتها بعيدًا عن الولايات المتحدة، مع انكماش الطلب العالمي عموماً. هذا الاتجاه يمكن أن يغذي المخاوف من زيادة الضغط الصيني على الأسواق الأوروبية نتيجة البحث عن منافذ بديلة للبضائع الفائضة، مما ينذر بتباطؤ عالمي أوسع. وعلى الرغم من أن ضعف التجارة العالمية قد يدفع المستثمرين تقليدياً إلى الدولار كملاذ آمن، فإن ضعف النمو العالمي يخفف من احتمالية المزيد من التشديد النقدي من الفيدرالي، مما يحد من جاذبية الدولار القائمة على الفائدة المرتفعة.
مؤشر الدولار ومكانة الملاذ الآمن: تفضيل الين الياباني
أنهى مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس قوته مقابل سلة من ست عملات رئيسية، الأسبوع دون تغيير يُذكر عند 99.67، متجهاً نحو انخفاض أسبوعي بنسبة 0.05٪. ورغم أن العملة الخضراء استعادت بعض قوتها كملاذ آمن في وقت سابق من الأسبوع وسط موجة بيع في الأسهم ذات الثقل التكنولوجي التي تدل على تزايد نفور المخاطرة (Risk Aversion)، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن الين الياباني قد برز كخيار السوق المفضل للتحوط الدفاعي. ويُعزى تفضيل الين إلى تاريخه كملاذ آمن في أوقات الاضطراب الجيوسياسي، بالإضافة إلى وضعه كعملة ذات عائد منخفض لا تتأثر كثيراً بتقلبات أسعار الفائدة العالمية.
في المقابل، ارتفع اليورو بنسبة 0.1٪ مقابل الدولار الأمريكي ليبلغ 1.1559 دولارًا، متفوقًا على العملات الأوروبية الأخرى مثل الجنيه الإسترليني والفرنك السويسري. ويستمد اليورو دعمه من التوقعات باستقرار سعر الفائدة لديه من قبل البنك المركزي الأوروبي لفترة أطول، في الوقت الذي يُتوقع فيه أن تواصل كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خفض أسعار الفائدة في عام 2026. أما بالنسبة لليابان، فإن التوقعات تشير إلى أن بنك اليابان قد يستغرق وقتًا طويلاً قبل رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، مما يبقي الين عالقًا عند مستويات فائدة منخفضة تاريخياً، لكن جاذبيته الدفاعية تظل قائمة.
اقرأ أيضا…



