تراجع الدولار الأمريكي بسبب بيانات العمل الضعيفة التي تعزز رهانات خفض الفائدة

اختتم سعر الدولار الأمريكي تعاملات يوم الخميس مسجلاً انخفاضاً حاداً لليوم الثاني على التوالي، منهياً بذلك حالة التعافي التي شهدتها العملة مؤخراً. جاء هذا التراجع مدفوعاً بصدور بيانات مقلقة تُسلط الضوء على تدهور غير متوقع في سوق العمل الأمريكية.
هذا الضعف المفاجئ عزز بشكل كبير من توقعات الأسواق بضرورة قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) باتخاذ خطوة خفض لأسعار الفائدة للمرة الثالثة هذا العام، بهدف دعم النشاط الاقتصادي.
ويُعدّ هذا التحول في مسار الدولار الأمريكي بمثابة تصحيح للموجة الصعودية القوية التي اكتسبتها العملة الأسبوع الماضي، والتي كانت قد بنيت على تراجع مؤقت في رهانات التيسير النقدي وسط حالة من عدم اليقين الاقتصادي. إن حركة الدولار الأمريكي هذه المرة تؤكد حساسية العملة للتقارير التي تمس جوهر الاقتصاد الكلي، وتحديداً التوظيف الذي يُعد ركيزة أساسية لقرارات الفيدرالي.
تقارير العمل تزعزع الثقة في أداء الدولار الأمريكي والنمو الاقتصادي
أظهر تقرير حديث صادر عن مؤسسة “تشالنجر، غراي آند كريسماس” (Challenger, Gray & Christmas) يوم الخميس أبعاد الأزمة في سوق العمل. كشف التقرير عن قيام الشركات في الولايات المتحدة بتخفيضات تجاوزت 150,000 وظيفة في شهر أكتوبر، وهو ما يمثل أكبر تخفيض شهري يُسجّل منذ أكثر من عقدين. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو مؤشر قوي على أن دورة التوظيف القوية قد بدأت تتباطأ بشكل دراماتيكي، مما يثير المخاوف حول استدامة الإنفاق الاستهلاكي وبالتالي النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام.
ويُعزى هذا الانكماش الكبير إلى عوامل هيكلية وتشغيلية، أبرزها التبني المتسارع لآليات الذكاء الاصطناعي والتغييرات التكنولوجية التي تهدف إلى أتمتة الوظائف، بالإضافة إلى استراتيجيات صارمة لخفض التكاليف تتبناها الشركات الكبرى لمواجهة تباطؤ محتمل في الطلب. تشير هذه التخفيضات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى أن ضعف سوق العمل قد يكون دائماً وليس مجرد تقلب دوري، مما يزيد الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لإعادة تقييم سياسته التشددية.
اكتسبت البيانات الاقتصادية الصادرة عن المصادر الخاصة—مثل تقارير التوظيف المقدمة من شركات مثل ADP أو بيانات التوظيف الأسبوعية—اهتماماً استثنائياً وتأثيراً كبيراً على الأسواق، وذلك في ظل الفراغ المعلوماتي الناجم عن غياب البيانات الرسمية لوزارة العمل وإدارة الإحصاءات بسبب أطول إغلاق حكومي تشهده الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، أوضح أنطونيو روجيرو، خبير استراتيجيات العملات الأجنبية والاقتصاد الكلي في “كونفيرا” (Convera)، عمق الحركة، قائلاً: “كان الانخفاض في الدولار الأمريكي هذا الصباح متوقعاً إلى حد كبير نظراً للغموض السائد”. وأضاف روجيرو أن غياب البيانات الرسمية الكاملة دفع المستثمرين إلى “تضخيم التفاؤل حول الدولار الأمريكي في غياب المعلومات المضادة”. وتابع تحليله بقوله: “عندما تظهر أرقام سلبية بقوة مثل تقرير “تشالنجر” عن تسريح العمالة، فإنها تثير على الفور موجة من الخوف بين المستثمرين الذين لم يقتنعوا بعد بمتانة التحسن الأخير في معنويات الدولار. هذا النوع من الأخبار يكون كافياً تماماً لتحفيز عمليات تصفية المراكز (Position Unwinds)، مما يدفع الدولار الأمريكي نحو الانخفاض بشكل سريع”.
نتيجة للبيانات الضعيفة، طرأ تحول واضح في توقعات المتداولين. ارتفعت احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر في ديسمبر إلى 69%، صعوداً من 62% في اليوم الذي سبق صدور التقرير، وذلك وفقاً لبيانات أداة “CME FedWatch”. على الرغم من هذا الارتفاع، من المهم ملاحظة أن هذه النسبة لا تزال بعيدة عن احتمالات 98% التي سُعّرت في أواخر أكتوبر الماضي، ما يشير إلى أن الأسواق لا تزال منقسمة حول ما إذا كان الفيدرالي سيستجيب لضغوط البيانات أم سيتمسك بموقفه المتشدد حيال التضخم.
على صعيد أداء العملات الرئيسية، كان ضعف الدولار الأمريكي بمثابة دعم فوري لمنافسيه. ارتفع اليورو بنسبة 0.3% مقابل الدولار، ليستقر عند 1.15225 دولار، مستفيداً من فجوة العائد التي بدأت تتقلص. وفي الوقت نفسه، انخفض مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة واسعة من العملات الرئيسية بنسبة 0.2% ليبلغ 99.935 نقطة. وفي آسيا، تراجع الدولار أيضاً بنسبة 0.4% مقابل الين الياباني، ليصل إلى 153.51 ين، في حركة سحب الأرباح واضحة بعد أن كان قد لامس أعلى مستوى له في تسعة أشهر تقريباً عند 154.48 ين يوم الثلاثاء. تعكس هذه التحركات أن التقييم المستقبلي لسياسة الفيدرالي هو المحرك الأقوى لاتجاهات العملات العالمية حالياً.
قرارات البنوك المركزية الأوروبية تدعم العملات المحلية وتؤجل التيسير
على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، سجل الجنيه الإسترليني ارتفاعاً لافتاً بنسبة 0.3% ليصل إلى 1.3088 دولار، بعد أن أبقى بنك إنجلترا (BoE) على سياسته النقدية دون تغيير، وهو قرار كان يحظى بدعم أغلبية المحللين. ويأتي قرار التثبيت الاستراتيجي قبيل الإعلان المرتقب لميزانية شهر نوفمبر، حيث ينتظر بنك إنجلترا تقييم تأثير “الخيارات الصعبة” المتعلقة بزيادات ضريبة التي ألمحت إليها وزيرة المالية، راشيل ريفز. هذا التكتيك يمنح البنك المركزي وقتاً إضافياً لرصد التطورات الاقتصادية قبل اتخاذ أي قرار بشأن التيسير النقدي.
وفي هذا الصدد، أيّد جورج براون، كبير الاقتصاديين في “شرودرز” (Schroders)، القرار، مشيراً إلى أن “تثبيت أسعار الفائدة اليوم كان القرار السليم، خصوصاً وأن معدلات التضخم لا تزال تقارب ضعف الهدف المحدد للبنك عند 2%”. وأوضح أن البنك المركزي البريطاني سيكون في وضع أفضل لتقييم الحاجة للتيسير في ديسمبر بعد أن يكون قد اطلع على بيانات التضخم والوظائف الرسمية لشهري أكتوبر ونوفمبر، بالإضافة إلى تفاصيل الزيادات الضريبية المتوقعة. هذا يظهر حرص البنك على تجنب التسرع في التخفيف النقدي قبل استقرار المشهد المالي.
في سياق مماثل، تعافت العملة النرويجية (الكرونة) ليس فقط مقابل الدولار الأمريكي (بارتفاع 0.1%) بل أيضاً بنسبة 0.2% مقابل اليورو، بعد إعلان البنك المركزي النرويجي (Norges Bank) الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 4.0%. قرار التثبيت هذا كان بالإجماع بين المحللين، وجاء بهدف مواصلة مكافحة الضغوط التضخمية التي لم تنحسر بعد. ومع ذلك، أكد البنك المركزي النرويجي مجدداً على أن “المزيد من التيسير النقدي سيكون مرجحاً في العام المقبل”، مما يشير إلى أن دورة التشديد قد وصلت إلى نهايتها فعلياً، لكن التخفيف الفعلي سيتطلب أدلة قوية على تراجع التضخم الأساسي.
اقرأ أيضا…



