أسعار النفط تنتعش مؤقتًا.. صراع معقد بين ضغط العقوبات وفتور الطلب العالمي

شهدت أسعار النفط يوم الخميس انتعاشًا محدودًا، منهيةً بذلك سلسلة من الإغلاقات المتتالية التي دفعتها إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين بسبب تصاعد المخاوف من تخمة وشيكة في المعروض. وقد جاء هذا الارتفاع مدعومًا بتراجع المخاوف من حدوث تخمة في السوق، خاصة مع بدء ظهور تأثير العقوبات المفروضة على الشركات الروسية الكبرى.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1% لتصل إلى 64.17 دولارًا للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الأمريكي زيادة بنسبة 1.2% ليصل إلى 60.33 دولارًا للبرميل. هذا الصعود الطفيف يعكس تفاعل السوق الحذر مع جملة من المتغيرات المتضاربة.
تأثير العقوبات الروسية يخفف من مخاوف تخمة الإمدادات
على الرغم من استمرار خطط مجموعة “أوبك+” لزيادة الإنتاج، بدأت العقوبات الأخيرة المفروضة على كبرى شركات النفط الروسية في إثارة القلق بشأن تعطل محتمل ومفاجئ في الإمدادات. وقد أشارت تقارير إلى أن عمليات شركة لوك أويل الروسية في الخارج تواجه صعوبات متزايدة نتيجة لهذه العقوبات.
الأمر لا يقتصر فقط على العمليات التشغيلية المباشرة؛ فالعقوبات المفروضة تمتد لتشمل صعوبة الوصول إلى خدمات حاسمة مثل التأمين والتمويل اللازم لشحن وتجارة النفط الخام والمنتجات المكررة. هذا التعقيد اللوجستي يضيف طبقة من عدم اليقين حول كميات النفط التي يمكن أن تصل إلى السوق فعليًا، بغض النظر عن طاقة الإنتاج المعلنة. هذه المخاوف من التعطيل هي ما وفر الدعم النفسي للأسعار، حتى وإن وصف المحللون التأثير الحالي بأنه “ليس ضخماً، ولكنه يجب أن يكون أكبر بناءً على الأرقام”.
من جهة أخرى، كانت الأسواق تترقب بحذر خطط مجموعة “أوبك+” لزيادة الإنتاج، والتي كانت تغذي مخاوف التخمة الأصلية. ولذلك، كان قرار المجموعة بإيقاف المزيد من زيادات الإنتاج المخطط لها في الربع الأول من العام المقبل بمثابة إشارة واضحة على الحرص على استقرار السوق، مما قلل بشكل ملموس من التوقعات السلبية المتعلقة بوفرة المعروض العالمي.
ضعف الطلب العالمي يلقي بظلاله على التوقعات
في المقابل، يظل ضعف الطلب يمثل تحديًا رئيسيًا ومحور تركيز لمتداولي أسعار النفط، حيث يتجاوز القلق بشأن الإمدادات. فقد أشارت بيانات حديثة إلى أن نمو الطلب العالمي على النفط حتى أوائل نوفمبر قد بلغ 850 ألف برميل يوميًا، وهو ما يقل عن التوقعات السابقة التي وضعها بنك جيه بي مورغان عند 900 ألف برميل يوميًا.
هذا التباطؤ في نمو الطلب يعكس بشكل مباشر التحديات الأوسع التي يواجهها الاقتصاد العالمي، ولا سيما الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى. ويشير المحللون إلى أن المؤشرات عالية التردد تظهر أن الاستهلاك النفطي في الولايات المتحدة لا يزال خافتًا، ويظهر ذلك جليًا في ضعف نشاط السفر وانخفاض شحنات الحاويات. هذا ليس مجرد مؤشر موسمي، بل هو انعكاس لتباطؤ محركات النمو الصناعي والتجاري التي تعتمد على الوقود. فكلما تراجعت الثقة الاقتصادية وتشددت الظروف المالية، تضاءل الطلب على وقود النقل والصناعة، مما يفرض سقفاً على أي ارتفاعات محتملة في أسعار النفط.
ارتفاع المخزونات وتوقعات طويلة الأمد
بالإضافة إلى فتور الطلب، تراجعت أسعار النفط في الجلسة السابقة بعدما أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاعًا مفاجئًا وكبيراً في مخزونات الخام الأمريكية بمقدار 5.2 مليون برميل، ليصل الإجمالي إلى 421.2 مليون برميل الأسبوع الماضي. هذا التراكم في المخزونات تجاوز بكثير توقعات المحللين، مما يشير إلى أن المصافي ربما تقلل من معدلات التكرير أو أن حجم الواردات كان مرتفعًا بشكل غير معتاد، وكلاهما يمثل علامة سلبية على توازن السوق الفوري.
وفي خطوة تعكس ضغوط وفرة المعروض، قامت المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، بتخفيض حاد لأسعار بيع خامها للمشترين الآسيويين لشهر ديسمبر. هذه الخطوة استراتيجية مزدوجة؛ فهي أولاً استجابة تنافسية مباشرة لضمان الحفاظ على حصتها السوقية في أهم منطقة استهلاكية عالمية. وثانياً، تمثل إشارة واضحة من أكبر لاعب في السوق إلى أن ضغوط البيع والتنافس على المشترين قوية جداً، مما يؤكد الانطباع بوجود سوق يتجه نحو التخمة.
وتأكيدًا لهذا الاتجاه الهبوطي على المدى الطويل، تتوقع مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” أن تستمر الضغوط النزولية، وتدعم توقعاتها بوصول سعر البرميل إلى 60 دولارًا بنهاية عام 2025، وإلى 50 دولارًا بنهاية عام 2026. وتستند هذه التوقعات إلى فرضيات بأن نمو إنتاج النفط من خارج “أوبك” (خاصة من الولايات المتحدة وكندا) سيتجاوز نمو الطلب العالمي المتوقع، بالإضافة إلى تصاعد المخاوف الهيكلية المتعلقة بالانتقال الطاقي.
اقرأ أيضا…



