أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي يتألق رغم ضبابية تخفيضات أسعار الفائدة العالمية

سجل سعر صرف الدولار الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً، ليصل إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر مقابل اليورو، مواصلاً بذلك مكاسب الأسبوع الماضي القوية. جاء هذا الصعود مدفوعاً بضبابية تكتنف توقعات السوق حول احتمالية قيام الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) بتخفيض آخر لأسعار الفائدة هذا العام. ويعكس هذا التطور حالة من عدم اليقين العالمي، حيث يجد المستثمرون أنفسهم في موقف صعب لتقييم قوة الدولار الأمريكي المستمرة التي تتغذى على الشكوك المحيطة بآفاق السياسات النقدية حول العالم.

قرارات الاحتياطي الفيدرالي: ما بين التيسير والتشدد

قام الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو ما كان متوقعاً على نطاق واسع في الأسواق. ومع ذلك، أشار جيروم باول، رئيس البنك، إلى أن هذا قد يكون التخفيض الأخير لهذا العام، معرباً عن تفضيله للحصول على صورة أكثر وضوحاً وقوة للاقتصاد قبل الإقدام على أي تحركات إضافية. هذه “الصورة القوية” التي يطالب بها باول تشمل مؤشرات مهمة مثل استقرار معدلات التضخم وضمان صحة سوق العمل.

ويكشف هذا التباين عن انقسام غير مسبوق داخل صناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي. فقد أعرب عدد من محافظي البنوك الاحتياطية علناً عن عدم ارتياحهم لقرار التيسير الأخير، بينما دعا آخرون إلى أن يكون البنك أكثر جرأة في تخفيض أسعار الفائدة. يمكن تفسير حالة الانقسام العلنية هذه بأنها تعكس صراعاً داخل البنك حول تحديد الأولوية الاقتصادية القصوى: هل هي دعم النمو من خلال التيسير النقدي، أم التحلي بالصبر لتجنب أي تضخم محتمل قد يهدد الاستقرار على المدى الطويل؟ هذا الانقسام غير المعهود يضيف طبقة من التعقيد والتذبذب لأسواق العملات.

انعكس هذا الانقسام مباشرة على توقعات السوق، حيث تراجعت احتمالية خفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر إلى حوالي 70%، بعد أن كانت نحو 94% قبل أسبوع واحد فقط، مما يؤكد أن التجار باتوا يشككون بشكل متزايد في التيسير النقدي الوشيك.

تأثير غياب البيانات الأمريكية على قرارات المستثمرين

عادةً ما تعتمد الأسواق على البيانات الاقتصادية الحكومية الرسمية (مثل تقرير التوظيف في القطاعات غير الزراعية) لتكوين صورة واضحة وموثوقة عن صحة الاقتصاد. وتُعد بيانات التوظيف الحكومية المعيار الذهبي الذي يعتمد عليه الاحتياطي الفيدرالي لتقييم مدى قوة سوق العمل.

لكن الإغلاق الحكومي المستمر في الولايات المتحدة أدى إلى تعطيل إصدار هذه البيانات الهامة. إن تأخير هذه التقارير يعني أن البنك المركزي يعمل في ظل نقص المعلومات الحيوية، مما يزيد من صعوبة اتخاذ قرارات دقيقة.

وفي غياب الإشارات الحكومية الرئيسية، سيعتمد المستثمرون على تقارير أخرى من القطاع الخاص، مثل بيانات التوظيف الصادرة عن ADP ومؤشرات مديري المشتريات (ISM PMIs). ورغم أهمية هذه المؤشرات في توفير بعض الإشارات السريعة، إلا أنها لا تحمل الثقل نفسه أو الشمولية التي تتمتع بها البيانات الحكومية. ومن غير المرجح أن تكون هذه التقارير البديلة كافية لتحريك مؤشر الدولار الأمريكي بشكل كبير أو حسم قرار الاحتياطي الفيدرالي المستقبلي.

اليورو والين والجنيه الإسترليني في دائرة ضغط الدولار 

شهدت العملات العالمية الأخرى ضعفاً واضحاً في مواجهة قوة الدولار الأمريكي، حيث واجهت كل منها ضغوطاً خاصة بها:

  • اليورو: انخفض اليورو إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار الأمريكي منذ أغسطس، متأثراً بشكل خاص بقوة الدولار. وجاء ذلك بالتزامن مع بيانات أظهرت انكماش قطاع الصناعات التحويلية الأمريكي للشهر الثامن على التوالي. وعادةً ما يؤدي ضعف البيانات الأمريكية إلى إضعاف الدولار، لكن في هذه الحالة، أدت المخاوف الأوسع بشأن التجارة والرسوم الجمركية إلى زيادة الضغط على العملة الأوروبية.
  • الفرنك السويسري والين الياباني: ارتفع الدولار الأمريكي مقابل الفرنك السويسري. أما الين الياباني، فقد ظل مستقراً ولكنه يحوم بالقرب من أدنى مستوى له في 8.5 أشهر. يواجه الين أزمة ثقة بسبب استمرار الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان. فبينما يرفع الاحتياطي الفيدرالي (أو يتردد في التخفيض)، يظل بنك اليابان ملتزماً بنهج تدريجي للغاية. وقد اضطرت السلطات اليابانية مؤخراً إلى استخدام ما يُعرف بـ “الاستثارة الكلامية” (Jawboning) – أي التصريحات العلنية القوية للتهديد بالتدخل في السوق – بهدف إبطاء انزلاق العملة، خاصة وأن الين يقترب من المستويات الحرجة التي شهدت تدخلات فعلية في السنوات الماضية (2022 و2024).
  • الجنيه الإسترليني: تراجع الجنيه الإسترليني بسبب زيادة التوقعات بتخفيض آخر لسعر الفائدة من بنك إنجلترا. يعود هذا الضعف إلى بيانات التضخم التي جاءت أضعف من توقعات السوق في الشهر الماضي، مما غذى التوقعات بأن بنك إنجلترا (BoE) سيضطر إلى تخفيض أسعار الفائدة لإعطاء دفعة للاقتصاد. ورغم انعقاد اجتماع البنك هذا الأسبوع، فإن التداول في السوق يعكس شكوكاً كبيرة، حيث لا تتجاوز احتمالية خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس نسبة الثلث.

هل يواصل الدولار الأمريكي مسيرة الصعود؟ 

في الوقت الراهن، تتركز قوة الدولار الأمريكي على الشكوك التي تحيط بالسياسة النقدية الأمريكية والضغوط الخاصة التي تواجه العملات الرئيسية الأخرى كاليورو والين. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاطر تهدد استمرار هذا الصعود، أبرزها الإغلاق الحكومي الأمريكي المستمر، والذي يحجب الرؤية عن صحة الاقتصاد الأساسية ويترك مساحة واسعة للتخمين. يؤكد الخبراء على أن استمرار صعود الدولار الأمريكي ليس مضموناً، وأن أي انفراجة في البيانات الاقتصادية أو تحول في سياسة البنوك المركزية الأخرى قد يعيد خلط أوراق سوق العملات مجدداً ويضعف من سطوة الدولار التي نشهدها حالياً.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى