أسعار النفط تشهد استقراراً حذراً رغم خطط “أوبك+” وتوقعات الفائض

شهدت أسعار النفط استقرارا اليوم، على الرغم من الإعلان عن خطط تحالف “أوبك+” (منظمة الدول المصدرة للنفط وحلفائها) لتعليق زيادة الإنتاج المقررة في الربع الأول من العام المقبل. ويأتي هذا الاستقرار الحذر، الذي أعقب فترة من التقلبات الشديدة والانخفاضات المتتالية، في ظل ضغوط السوق الناجمة عن المخاوف المستمرة من فائض المعروض المتراكم في أسواق النفط العالمية وضعف البيانات الصناعية في آسيا، التي تُعد أكبر منطقة مستهلكة للنفط في العالم ومحرك الطلب الرئيسي.
وتراجع سعر العقود الآجلة لخام برنت سنتا واحدا فقط (0.02%) إلى 64.76 دولار للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) بثلاثة سنتات (0.05%) ليصل إلى 60.95 دولار للبرميل.
أوبك+ تقر بالفائض المحتمل وتعلق الزيادات
اتفقت دول أوبك+ يوم الأحد على زيادة محدودة للإنتاج قدرها 137 ألف برميل يومياً لشهر ديسمبر، لكن النقطة الأبرز كانت القرار الحاسم بتعليق أي زيادات إضافية في الإنتاج خلال الربع الأول من العام المقبل. هذا التوقف الاستباقي للزيادات المخطط لها يُنظر إليه في دوائر التداول على أنه خطوة لإدارة مخاطر التخمة في السوق، خاصة بعد أن سجلت أسعار النفط انخفاضاً حاداً بأكثر من 2% في أكتوبر، لتنهي بذلك ثلاثة أشهر متتالية من التراجع وتصل إلى أدنى مستوى لها في خمسة أشهر في 20 أكتوبر الماضي.
وقد استقبل السوق هذا القرار كإقرار ضمني من التحالف بوجود فائض كبير يواجه السوق، خاصة في بداية العام المقبل، حيث تبدأ عوامل الطلب الموسمي بالضعف. وفي هذا السياق، يرى رئيس أبحاث السلع في ING، وارن باترسون، أن قرار “أوبك+” يشير بوضوح إلى إدراك التحالف لـ تحدي الفائض الكبير القادم، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى وضع حد أدنى لأسعار الخام. وأضاف باترسون أن حجم هذا الفائض لا يزال محاطاً بكثير من عدم اليقين، خاصة فيما يتعلق بمدى تأثير العقوبات الأمريكية على تدفقات النفط الروسي وقدرة موسكو على تجاوز القيود المفروضة على شحن وتأمين صادراتها. إن هذا الغموض في الإمدادات الروسية يزيد من تعقيد مهمة أوبك+ في تحديد مستويات الإنتاج المناسبة.
تزايد المعروض وضعف الطلب: الضغوط المزدوجة على أسعار النفط
تعود حالة الاستقرار النسبي في أسعار النفط إلى توازن دقيق بين عوامل العرض والطلب، وهو توازن هش في أحسن الأحوال. من ناحية العرض، زادت البيانات الأخيرة من المخاوف، حيث أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) يوم الجمعة أن إنتاج النفط الخام الأمريكي ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 13.8 مليون برميل يومياً في أغسطس. هذا المستوى القياسي من الإنتاج غير المرتبط بقيود “أوبك+” يمثل ضغطاً هيكلياً مستمراً على قدرة التحالف على رفع أسعار النفط بشكل مستدام، مما يزيد من إمدادات السوق العالمية بشكل فعال ويقلل من حصة أوبك+ من السوق.
من ناحية الطلب، أظهرت المسوحات التجارية يوم الاثنين استمرار التحديات التي تواجه المراكز الصناعية الكبرى في آسيا خلال شهر أكتوبر. إن ضعف النشاط الصناعي في أسواق مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة لتشغيل مصانعها وعمليات الشحن، يترجم مباشرة إلى انخفاض في استهلاك المشتقات النفطية مثل الديزل ووقود الطائرات. إن تباطؤ هذه “المحاور الصناعية” في أكبر منطقة مستهلكة للنفط يمثل رياحاً معاكسة قوية تعيق أي ارتفاع في أسعار النفط، حيث تشير التوقعات إلى أن هذا الضعف قد يمتد إلى الربع الأول من العام المقبل.
المخاطر الجيوسياسية… “بطاقة جامحة” في تحديد الأسعار
رغم أن تزايد إنتاج أوبك+ وضعف الطلب الآسيوي يعوضان المخاطر الجيوسياسية في توقعات المحللين، إلا أن هذه المخاطر لا تزال تمثل “بطاقة جامحة” في السوق، قادرة على إحداث تحولات سريعة في أسعار النفط.
ترى هيليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع في RBC Capital، أن روسيا لا تزال تشكل عامل إمداد غير متوقع، خاصة بعد فرض عقوبات أمريكية على منتجين روس كبار مثل روسنفت ولوك أويل، وهو ما يضع ضغطاً إضافياً على قدرتها التصديرية. وتتفاقم هذه المخاطر بسبب الهجمات الأخيرة على البنية التحتية للطاقة نتيجة الصراع في أوكرانيا. ومن الأمثلة الحديثة والمؤثرة، تعرض مرفأ “توابسي” (Tuapse)، وهو أحد موانئ النفط الرئيسية الروسية على البحر الأسود والحيوي لصادراتها، لهجوم بطائرة مسيرة يوم الأحد، مما أدى إلى حريق وتضرر سفينة واحدة على الأقل. مثل هذه الحوادث لا تساهم فقط في رفع علاوة المخاطر في السوق، بل تهدد بشكل مباشر الإمدادات الفيزيائية في وقت يسعى فيه السوق لتحقيق التوازن.
وفي استطلاع أجرته وكالة رويترز للمحللين، بقيت توقعاتهم لأسعار النفط دون تغيير إلى حد كبير، حيث تراوحت تقديرات فائض السوق المتوقع بين 190 ألفاً و 3 ملايين برميل يومياً. ويؤكد هذا التباين الشاسع في التوقعات على حالة الترقب والتردد التي تسود الأسواق حالياً. هذا التفاوت الكبير بين التقديرات يمثل في حد ذاته دافعاً للمتداولين لتوخي الحذر، مفضلين الاحتفاظ بمراكز محايدة بدلاً من المراهنة بقوة على اتجاه صعودي أو هبوطي لأسعار النفط، في انتظار وضوح تأثير العقوبات الروسية ووتيرة الانتعاش الاقتصادي في آسيا.
ختاما إن استقرار أسعار النفط الحالي ليس علامة على الثقة أو قوة الطلب، بل هو انعكاس للتوازن المؤقت بين الضغوط المزدوجة: المخاطر الجيوسياسية التي تهدد الإمدادات في مناطق التصدير الحساسة من جهة، وتحديات فائض المعروض الناتج عن الإنتاج القياسي الأمريكي وضعف الطلب القادم من المراكز الصناعية الآسيوية من جهة أخرى. ويُعد قرار أوبك+ بتعليق الزيادة بمنزلة محاولة استباقية ووقائية لإدارة هذا الفائض المتوقع والتحكم في انهيار محتمل للأسعار مع اقتراب موسم ضعف الطلب في بداية العام. يبقى مفتاح تحريك أسعار النفط في الأجل القريب مرهوناً بمدى صرامة العقوبات الروسية وقدرة آسيا على استعادة زخمها الصناعي.
اقرأ أيضا…



