أسعار النفط تقفز 5% بعد عقوبات أمريكية جديدة تستهدف إمدادات روسيا

شهدت أسعار النفط قفزة حادة يوم الخميس، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 5%، وذلك في رد فعل مباشر على إعلان الولايات المتحدة عن عقوبات جديدة تستهدف شركتي “روسنفت” (Rosneft) و”لوك أويل” (Lukoil)، وهما من كبار الموردين الروس. تأتي هذه الخطوة في سياق تشديد الضغوط الغربية على موسكو بسبب الصراع في أوكرانيا، مما أثار مخاوف بشأن اضطراب محتمل في الإمدادات العالمية.
تفاصيل الارتفاع وبيانات السوق الفورية
وصلت العقود الآجلة لخام برنت إلى 65.98 دولاراً للبرميل، مسجلة ارتفاعاً قدره 3.39 دولاراً أو 5.4%، في حين ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط (WTI) بمقدار 3.31 دولاراً، أو 5.7%، لتصل إلى 61.81 دولاراً للبرميل. وقد جاء هذا الارتفاع بعد أن دعمت قفزة سريعة بأكثر من 2 دولار للبرميل عقب إعلان العقوبات مباشرةً بتراجع مفاجئ في المخزونات الأمريكية.
تجدر الإشارة إلى أن حالة من التراجع (Backwardation) قد ظهرت في العقود الآجلة لخام برنت، حيث تم تداول عقد الشهر الأول بزيادة تصل إلى 1.98 دولار للبرميل مقارنة بالعقد المحدد للتسليم بعد ستة أشهر. يُعد هذا التحول في هيكل منحنى الأسعار دلالة فنية قوية على قلق السوق من شح الإمدادات الفورية، مما يشير إلى أن التجار على استعداد للدفع أكثر للحصول على النفط الآن بدلاً من الانتظار.
السبب الرئيس وراء هذا الارتفاع المفاجئ هو التخوف من أن العقوبات الجديدة ستجبر المصافي في أسواق رئيسية مثل الصين والهند، اللتين تُعدان من أكبر مشتري النفط الروسي، على البحث عن موردين بديلين لتجنب عزلها عن النظام المصرفي الغربي. وقد أكد الخبير الاقتصادي في “ساكسو بنك”، أولي هانسن، أن هذا الإجراء يضع المشترين الرئيسيين في موقف صعب يستلزم التحول السريع. ويكمن الخطر هنا في أن هذه العقوبات لا تستهدف النفط الروسي فحسب، بل تستهدف بشكل غير مباشر أي كيان يتعامل مع الشركات الخاضعة للعقوبات باستخدام الدولار الأمريكي أو عبر شبكة سويفت (SWIFT) العالمية. هذا الأمر يفرض على المصافي الهندية والصينية مراجعة حساباتها بشكل دقيق: إما الاستمرار في شراء النفط الرخيص والمجازفة بفقدان الوصول إلى التمويل الدولي، أو الامتثال للعقوبات وضمان استمرار تعاملاتها المصرفية العالمية.
الهند: المتغير الحاسم في معادلة أسعار النفط
أصبحت الهند أكبر مشترٍ للنفط الخام الروسي المنقول بحراً بأسعار مخفضة منذ بدء الحرب في أوكرانيا. ورغم ذلك، أفادت مصادر صناعية يوم الخميس بأن المصافي الهندية من المرجح أن تقلل أو توقف وارداتها من النفط الروسي بشكل كبير بسبب المخاطر المرتبطة بالعقوبات الجديدة، حيث تخطط “ريلاينس إندستريز”، أكبر مشترٍ هندي، لخفض أو وقف هذه الواردات بالكامل.
هذا التخفيض المحتمل يمثل معضلة استراتيجية كبرى للهند، التي استفادت بشكل كبير من الخصومات التي قدمتها روسيا، مما ساعدها في السيطرة على التضخم المحلي في الطاقة. قرارها بالتقليص يعكس قوة قبضة الغرب على النظام المالي العالمي، حيث أن الأولوية تظل للحفاظ على العلاقات التجارية والمالية مع الأسواق الأوروبية والأمريكية على حساب المكاسب الفورية الناتجة عن النفط المخفض. ويشير المحلل لدى “يو بي إس” (UBS)، جيوفاني ستونوفو، إلى أن تأثير العقوبات على أسعار النفط سيعتمد بشكل كبير على كيفية تصرف الهند وما إذا كانت روسيا ستتمكن من إيجاد مشترين بديلين بهذه السرعة. هذه الموازنة بين العرض والطلب تزيد من حدة تقلبات أسعار النفط العالمية.
شكوك وتحديات تحدّ من المكاسب
على الرغم من القفزة الأولية، لا يزال هناك قدر من التشكيك في السوق حول ما إذا كانت هذه العقوبات ستؤدي إلى تحول جوهري ودائم في العرض والطلب. يرى الخبراء أن محاولات سابقة لمعاقبة روسيا لم تنجح في خفض حجم الإنتاج أو الإيرادات النفطية.
وفي هذا الصدد، أشار محلل “ريستاد إنرجي” (Rystad Energy)، كلاوديو غاليمبرتي، إلى أن “جميع العقوبات التي فُرضت على روسيا على مدار الأعوام الثلاثة ونصف الماضية فشلت في تقليل حجم الإنتاج أو الإيرادات النفطية للبلاد”. هذا التشكيك له ما يبرره، حيث تمكنت روسيا في السابق من التغلب على قيود سقف الأسعار وتدابير أخرى عبر تطوير ما يُعرف بـ “أسطول الظل” من الناقلات التي تعمل خارج نطاق التأمين والخدمات الغربية. وبالتالي، فإن نجاح العقوبات الجديدة سيعتمد على مدى صرامة تطبيقها وقدرة روسيا على توسيع آلياتها البديلة لتجنب نظام الدفع بالدولار.
كما حدت المخاوف بشأن تخمة المعروض، الناتجة عن زيادة الإنتاج من قبل تحالف “أوبك+”، من استمرار مكاسب أسعار النفط. بالإضافة إلى ذلك، كشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) عن تراجع في مخزونات النفط الخام والبنزين والمشتقات في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي. يُنظر إلى بيانات المخزونات الأمريكية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة (EIA) على أنها مؤشر حيوي للصحة الطلب في أكبر مستهلك للنفط في العالم. الانخفاض المفاجئ في المخزونات الأمريكية تزامن مع ارتفاع الطلب على التكرير، مما يشير إلى أن الأساسيات المتعلقة بالطلب المحلي قوية، وهو ما قدم دعماً قوياً إضافياً لـ أسعار النفط ومنعها من التراجع الحاد بعد موجة البيع السابقة.
وتتوقع “يو بي إس” أن تظل أسعار خام برنت مستقرة ضمن نطاق يتراوح بين 60 و 70 دولاراً للبرميل، مما يشير إلى أن تأثير العقوبات قد يكون محدوداً ومؤقتاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين بين العرض والطلب.
اقرأ أيضا…



