أسعار الذهب تتداول حول مستوياته القياسية وسط حالة عدم اليقين العالمية

شهدت الأسواق العالمية استقراراً نسبياً يوم الاثنين بعد جولة من التقلبات العنيفة التي أثارها التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، فإن هذا الهدوء السطحي لم يمنع أسعار الذهب من مواصلة الصعود وتسجيل مستويات قياسية جديدة، في إشارة واضحة إلى أن حالة عدم اليقين الجيوسياسية والاقتصادية لا تزال تسيطر على المشهد، وأن هذا الاستقرار في الأسهم يمثل هدوءاً حذراً أكثر منه ثقة كاملة.
الذهب يتألق كملاذ آمن فوق 4000 دولار للأوقية
يُعد الارتفاع غير المسبوق لـ أسعار الذهب فوق حاجز الـ 4000 دولار للأوقية دليلاً قاطعاً على تحول المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً. وبعيداً عن التفاؤل الحذر في أسواق الأسهم الأوروبية والأمريكية، فإن المعدن الأصفر يعكس القلق الكامن من تفاقم الصراعات التجارية وتزايد الاضطرابات السياسية. هذا الارتفاع يمثل استجابة فورية للمخاطر المنهجية المتصاعدة، حيث يفضل كبار المستثمرين والمحافظ السيادية تسييل أجزاء من حيازاتهم في الأصول الأكثر خطورة (الأسهم) وتحويلها إلى الذهب. وتُظهر هذه الحركة الاستثمارية أن التوترات التجارية، حتى في فترات الهدوء المؤقت، قد ألحقت أضراراً دائمة بثقة السوق في مسار النمو الاقتصادي العالمي المستقبلي.
وفي تعليق لافت، أشار محللو السلع في بنك أوف أمريكا (BofA) إلى أنهم رفعوا توقعاتهم لأسعار الذهب لتبلغ 5000 دولار للأوقية العام المقبل، ارتفاعاً من تقديرات سابقة بلغت 4400 دولار. هذا التوقع يعزز فكرة أن الذهب لم يعد مجرد تحوط مؤقت، بل أصبح مساراً استثمارياً رئيسياً في ظل البيئة الاقتصادية الراهنة ومخاوف التضخم الطويلة الأمد.
تقلبات السياسة العالمية تشعل فتيل الأسواق
لا تزال الساحة السياسية العالمية مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار، بدءاً من الجبهة التجارية حيث تراجعت حدة التهديدات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والصين بعد تصريحات أكثر تصالحية، إلا أن بكين دافعت عن قيودها على صادرات العناصر الأرضية النادرة، مما يشير إلى أن الحرب التجارية لم تُطوَ صفحتها بعد. إن دفاع بكين عن قيودها على صادرات العناصر الأرضية الحيوية يؤكد أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الرسوم الجمركية، بل توسع ليشمل سلاسل الإمداد التكنولوجية الاستراتيجية. هذا التوسع في نطاق الصراع يفرض ضغطاً حقيقياً على توقعات النمو العالمي، مما يزيد من جاذبية الذهب كضمان ضد تباطؤ الاقتصاد أو حرب عملات محتملة.
وفي أوروبا، يواجه رئيس الوزراء الفرنسي المعين حديثاً، سيباستيان ليكورنو، ضغوطاً هائلة لتأمين اتفاق الميزانية، ومن المرجح أن يواجه تصويتاً بحجب الثقة يوم الخميس. وعلى الرغم من أن أسهم فرنسا ارتفعت بـ 0.5% أملاً في الاستقرار، إلا أن المحللين يرون أن طريقه نحو تمرير ميزانية 2026 سيكون شاقاً للغاية، مما يبقي السندات الفرنسية تحت المراقبة.
أما في اليابان، فقد ألقت الشكوك حول صعود زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الجديد، سانا تاتشي، بظلالها على الأسواق، ما أسهم في انتعاش حاد للين وتراجع عقود مؤشر نيكاي الآجلة بـ 5% يوم الجمعة.
التركيز يتحول إلى أرباح الشركات وقرارات الاحتياطي الفيدرالي
في غياب الإغلاق في بورصتي نيويورك وناسداك رغم عطلة رسمية، تبدأ هذا الأسبوع فترة الإعلان عن أرباح الشركات، حيث من المقرر أن تعلن بنوك كبرى مثل جي بي مورغان وغولدمان ساكس وويلز فارغو عن نتائجها.
تتوقع مجموعة LSEG IBES أن تحقق شركات مؤشر S&P 500 زيادة في الأرباح بنسبة 8.8% في الربع الثالث. ومع ذلك، يرى الخبراء، مثل هومين لي من لومبارد أودير، أن هذه الفترة قد تشهد بيئة أكثر تقلباً وغير محددة الاتجاه للأصول الخطرة، ما يتطلب نتائج قوية لتبرير التقييمات المرتفعة الحالية للسوق.
فيما يخص السياسة النقدية، تشير العقود الآجلة إلى احتمال يصل إلى 98% لخفض ربع نقطة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا الشهر. يعد هذا التوقع المرتفع لخفض سعر الفائدة في اجتماع الفيدرالي المرتقب دافعاً قوياً آخر لارتفاع الذهب. فسياسات التيسير النقدي تخفف من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يدر عائداً، مقارنة بالسندات والدولار الأمريكي. وبالتالي، فإن اتجاه البنوك المركزية الكبرى نحو التيسير، يرسخ الأساسات التي تعزز صعود أسعار الذهب وتدعم استدامة مستوياته القياسية. ومن المنتظر أن يقدم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، توجيهاته حول التوقعات الاقتصادية في الاجتماع السنوي للرابطة الوطنية لاقتصادات الأعمال، مما سيكون له تأثير مباشر على توقعات التضخم وتذبذب أسعار الذهب على المدى القصير.
ختاما بينما تشير أسواق الأسهم إلى حالة من الاستقرار والتفاؤل الحذر، فإن الارتفاع الصاروخي لـ أسعار الذهب يؤكد أن المستثمرين لم يتخلصوا بعد من قلقهم العميق تجاه التوترات التجارية والجيوسياسية. ومع اقتراب موسم الأرباح وتصريحات الفيدرالي المنتظرة التي ترجح التيسير النقدي، ستبقى الأسواق على موعد مع حالة من عدم اليقين تتطلب يقظة استثمارية عالية، حيث يظل الذهب الملاذ المفضل في هذه الظروف.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد