تراجع الدولار الأمريكي وسط ترقب خفض الفائدة الأمريكية في سبتمبر

شهد الدولار الأمريكي تراجعاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية، مدفوعاً بتزايد التوقعات بين المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) قد يتجه إلى خفض أسعار الفائدة الشهر المقبل.
وقد جاء هذا التحول بعد تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، التي ألمح فيها إلى إمكانية حدوث مثل هذه الخطوة في المستقبل، مما أثار شهية الأسواق للمخاطرة وأبعد المستثمرين عن الملاذات الآمنة مثل العملة الأمريكية.
هذا التحول في المزاج العام للسوق يأتي بعد فترة طويلة من السياسة النقدية المتشددة التي انتهجها الفيدرالي لمكافحة التضخم، مما يجعل أي إشارة إلى تغيير في المسار ذات أهمية قصوى للأسواق المالية العالمية.
توقعات خفض الفائدة تضعف الدولار الأمريكي
أكد ويليامز في مقابلة تلفزيونية أن أسعار الفائدة قد تنخفض في مرحلة ما، لكنه شدد على ضرورة مراقبة البيانات الاقتصادية القادمة قبل اتخاذ أي قرار. هذه التصريحات، بالإضافة إلى ضغوط متزايدة من الرئيس السابق دونالد ترامب للتدخل في السياسة النقدية، وضعت العملة الأمريكية تحت ضغط متجدد. ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG)، يُراهن المتداولون حالياً على احتمالية تصل إلى 84% لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في الاجتماع القادم المقرر يومي 16 و 17 سبتمبر. كما تسعر الأسواق خفضاً تراكمياً قدره 55 نقطة أساس بحلول نهاية العام، وهو ما يعكس قناعة متزايدة بأن الفيدرالي قد يضطر لتخفيف قبضته على السياسة النقدية للحفاظ على زخم النمو الاقتصادي في مواجهة أي رياح معاكسة محتملة.
هذه التوقعات تُعد انعكاساً لميل متزايد في الأسواق نحو سياسات نقدية أكثر تساهلاً، وهو ما يقلل من جاذبية الأصول الأمريكية للمستثمرين الأجانب الباحثين عن عوائد مرتفعة. فعندما تنخفض أسعار الفائدة، تصبح الاستثمارات المقومة بالدولار الأمريكي أقل ربحية مقارنة بالعملات الأخرى التي قد تقدم عوائد أعلى، مما يدفع رؤوس الأموال إلى الخروج من الولايات المتحدة، وبالتالي يضعف الدولار الأمريكي مقابل تلك العملات. تُعرف هذه الظاهرة باسم “تجارة المراجحة” (carry trade)، حيث يقترض المستثمرون بعملة ذات فائدة منخفضة للاستثمار في عملة ذات فائدة أعلى. أي إشارة إلى خفض الفائدة الأمريكية تُقلل من هذا الفارق، مما يجعل الدولار الأمريكي عملة غير مفضلة للمستثمرين في هذا النوع من الصفقات.
الضغوط السياسية وتأثيرها على العملة
يمثل سعي ترامب لتعيين مرشحين ذوي توجهات “متساهلة” في لجنة صناعة القرار بالبنك المركزي عاملاً إضافياً لخفض عوائد السندات قصيرة الأجل. وقد علق كريس تيرنر، رئيس الأسواق العالمية في بنك ING، على هذا الأمر قائلاً: “تظل العوائد الأمريكية قصيرة الأجل بالقرب من أدنى مستوياتها الأخيرة، ويستنتج معظم المحللين أن محاولة الرئيس ترامب هذا الأسبوع عزل محافظ البنك الفيدرالي ليزا كوك هو أمر سلبي بالنسبة للدولار الأمريكي.”
وتُثير هذه المواجهة السياسية مخاوف عميقة حول استقلالية البنك الفيدرالي، وهي ركيزة أساسية يُعوّل عليها المستثمرون لضمان استقرار السياسة النقدية. استقلالية البنك المركزي تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات صعبة ومحايدة بعيداً عن الضغوط السياسية، وأي محاولة للتدخل في قراراته قد تُضعف ثقة السوق في قدرته على إدارة الاقتصاد بفعالية.
هذا الجدل القانوني والسياسي حول منصب المحافظة يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين، مما يجعل الدولار الأمريكي أكثر عرضة للتقلبات. هذه الأحداث تُذكّر بأن العوامل الجيوسياسية والسياسية الداخلية يمكن أن تلعب دوراً لا يقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية في تحديد قيمة العملة.
أداء الدولار مقابل العملات الرئيسية: نظرة أعمق
انعكس هذا الضغط على مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس أداء العملة مقابل سلة من ست عملات رئيسية، حيث تراجع بنسبة 0.17% ليصل إلى 97.952، مواصلاً بذلك يومين من التراجع. وفي المقابل، ارتفع اليورو بنسبة 0.23% مقابل الدولار الأمريكي ليصل إلى 1.1665 دولار. وقد جاء ارتفاع اليورو رغم الدعوة غير المتوقعة لرئيس الوزراء الفرنسي للتصويت على الثقة، مما يعكس ضعف الدولار الأمريكي إلى درجة جعلته يتجاهل الاضطرابات السياسية في منطقة اليورو. هذا يدل على أن ضعف الدولار الأمريكي كان القوة الدافعة الأكبر في السوق، لدرجة أنه طغى على المخاوف السياسية الخاصة بالاتحاد الأوروبي.
كما تراجع الدولار الأمريكي مقابل الين الياباني بنسبة 0.3%، ليستقر عند 146.88 ين. وقد تأثر هذا الانخفاض جزئياً بإلغاء مفاوض التجارة الياباني ريوسي أكازاوا لرحلته إلى واشنطن في اللحظة الأخيرة، مما أدى إلى تأجيل الإعلان عن تفاصيل تعهد اليابان باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة كجزء من صفقة للتعريفات الجمركية.
وتشير هذه التطورات إلى وجود خلافات “على المستوى الإداري” تحتاج إلى مزيد من النقاش، مما أضاف المزيد من الغموض على العلاقة الاقتصادية بين البلدين، ومع ذلك، لم يمنع ذلك الين من الارتفاع في ظل ضعف الدولار الأمريكي.
ولم يكن أداءه أفضل حالاً مقابل اليوان الصيني في التعاملات الخارجية، حيث هبط إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر الماضي، متراجعاً بنسبة 0.3% إلى 7.1275 يوان. يعكس هذا التراجع قوة اليوان في ظل تحسن التوقعات بشأن الاقتصاد الصيني، فضلاً عن ضعف الدولار الأمريكي العام. يعتبر اليوان الصيني مقياساً للثقة في الاقتصاد العالمي، وتراجعه أمام عملات مثل اليوان يشير إلى أن المستثمرين بدأوا في البحث عن فرص استثمارية خارج الولايات المتحدة.
بيانات اقتصادية مرتقبة: العامل الحاسم
تتجه الأنظار الآن نحو البيانات الاقتصادية الهامة المرتقبة قبل اجتماع الفيدرالي. ويأتي في مقدمتها مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، الذي يعد مقياس التضخم المفضل لدى البيدرالي، والمقرر إصداره يوم الجمعة، بالإضافة إلى تقرير الوظائف الشهري الذي سيصدر بعد ذلك بأسبوع. ستكون هذه البيانات حاسمة في تحديد ما إذا كانت ظروف السوق تبرر بالفعل خفضاً وشيكاً في أسعار الفائدة. إذا جاءت هذه التقارير ضعيفة، فإنها ستعزز من احتمالية خفض الفائدة، مما قد يزيد من الضغط على الدولار الأمريكي.
وعلى العكس، إذا جاءت البيانات أقوى من المتوقع، فقد تتغير توقعات السوق، مما قد يمنح الدولار الأمريكي بعض الدعم المؤقت. تقرير نفقات الاستهلاك الشخصي يوفر صورة واضحة عن سلوك المستهلكين واتجاهات الأسعار، بينما يُعد تقرير الوظائف مؤشراً حيوياً على صحة سوق العمل، وكلا المؤشرين يمثلان ركيزتين أساسيتين في اتخاذ الفيدرالي لقراراته المستقبلية بشأن السياسة النقدية.
اقرأ أيضا…