الدولار الأمريكي يرتفع وسط ترقب موقف الفيدرالي الأمريكي

يشهد الدولار الأمريكي، خلال الفترة الأخيرة، تحسناً ملحوظاً أمام سلة العملات الرئيسية، متجاوزاً بذلك العديد من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية. وقد وصل مؤشر الدولار (DXY) الذي يقيس قوته مقابل سلة من ست عملات رئيسية، إلى حوالي 98.64، محققاً مكاسب يومية بنسبة 0.42%. هذا الأداء القوي لا يرجع فقط إلى مرونة الاقتصاد الأمريكي، بل يعكس أيضاً حالة ترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية الأمريكية القادمة، والتي تُعد بمثابة بوصلة لتحديد المسار المستقبلي للسياسة النقدية. وفي خضم هذا الترقب، يبقى الدولار محتفظاً ببريقه كملاذ آمن، يستقطب رؤوس الأموال من الأسواق الأكثر عرضة للضغوط.
ويعكس هذا التحسن مرونة الدولار الأمريكي في مواجهة التطورات السياسية، حيث تمكن من تجاوز القلق الفوري الذي تلا محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إقالة حاكمة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك. وعلى الرغم من أن محاميها أكد أنها سترفع دعوى قضائية لمنع إقالتها، مما كان يمكن أن يثير حالة من عدم اليقين حول استقلالية البنك المركزي، إلا أن السوق لا تزال تركز على الأسس الاقتصادية. هذا التركيز على الأداء الاقتصادي بدلاً من الدراما السياسية يُظهر ثقة عميقة في متانة المؤسسات الأمريكية وقدرتها على استيعاب الصدمات. وفي هذا السياق، يشير المحللون إلى أن صمود الدولار قد يكون مؤشراً على انتظار الأسواق لبيانات التضخم وتقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس، والتي من شأنها تأكيد ما إذا كان البنك الفيدرالي سيمضي قدماً في خططه لاستئناف خفض أسعار الفائدة.
تطورات السياسة النقدية وتأثيرها على الدولار الأمريكي
تظهر الأسواق المالية ميلاً واضحاً نحو خفض الفائدة، حيث تشير أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية إلى أن هناك احتمالاً بنسبة 88% لخفض بمقدار 25 نقطة أساس في شهر سبتمبر. هذا التوجه نحو التيسير النقدي يأتي في ظل ضغوط متواصلة من الرئيس ترامب على البنك المركزي لخفض الفائدة، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي، وهو ما يُعد عاملاً رئيسياً في حسابات المتداولين. إن هذه التوقعات تعكس اعتقاداً سائداً في السوق بأن البيانات القادمة ستوفر مبرراً كافياً للبنك الفيدرالي لاتخاذ خطوة التيسير، خاصة في ظل مؤشرات على تباطؤ نسبي في الاقتصاد.
وتتضح هذه التوقعات أيضاً في أداء سندات الخزانة الأمريكية، حيث وصل عائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى أدنى مستوى له منذ الأول من مايو عند 3.6450%، مما يشير بوضوح إلى أن المستثمرين يتوقعون دورة تيسير نقدي قريبة. وفي المقابل، ارتفع عائد نظيره لأجل 30 عاماً بواقع 5 نقاط أساس ليصل إلى 4.9562%، ما يعكس حالة من التفاؤل الحذر بشأن النمو الاقتصادي على المدى الطويل، أو ربما توقعات بضغوط تضخمية مستمرة قد تدفع البنك الفيدرالي لإعادة النظر في سياسته على المدى البعيد.
اليورو تحت ضغط الأوضاع السياسية الفرنسية
في المقابل، يواجه اليورو تحديات كبيرة أضعفت قوته أمام الدولار الأمريكي، حيث لامس أدنى مستوى له منذ السادس من أغسطس وتراجع بنسبة 0.4% إلى 1.1595 دولار. تعود هذه التراجعات بشكل أساسي إلى التطورات السياسية في فرنسا، والتي خلقت حالة من عدم اليقين في ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. يكافح رئيس الوزراء فرانسوا بايرو للحفاظ على حكومة الأقلية قبل تصويت حاسم على الثقة في الثامن من سبتمبر. وفي حال فشله، قد تترتب على ذلك أزمة سياسية عميقة تؤثر على سياسات فرنسا المالية والاقتصادية. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أغلبية الفرنسيين تفضل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، مما يضيف مزيداً من الغموض على المشهد السياسي الأوروبي ويُبعد المستثمرين عن اليورو خوفاً من المخاطر السياسية.
وبحسب المحلل كيت جوكس من سوسيتيه جنرال، فإنه رغم المخاطر الواضحة، من المتوقع أن يعود تركيز الأسواق بقوة إلى الاقتصاد الأمريكي في الأسبوع المقبل، خاصة مع صدور بيانات سوق العمل واستطلاعات الأعمال التي ستوفر رؤية أكثر وضوحاً حول اتجاهات السياسة النقدية الأمريكية.
نظرة على العملات الأخرى وبيانات التضخم
لم يكن أداء العملات الأخرى بمعزل عن قوة الدولار الأمريكي، فقد تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.3% إلى 1.3442 دولار، فيما انزلق الفرنك السويسري والين الياباني بنحو 0.4% مقابل الدولار، مما يؤكد أن قوة الدولار ليست مجرد ظاهرة ثنائية مع اليورو، بل هي اتجاه شامل في سوق العملات العالمي.
وفي سياق آخر، كشفت البيانات الأولية الصادرة يوم الأربعاء أن تضخم أسعار المنتجين في بريطانيا ارتفع إلى أعلى مستوى له في عامين بنسبة 1.9% في يونيو، مما يضيف المزيد من المؤشرات على الضغوط التضخمية في الاقتصاد البريطاني. هذا الارتفاع قد يضع البنك المركزي الإنجليزي في موقف صعب، حيث سيكون عليه الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي ومواجهة ارتفاع الأسعار، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للمشهد الاقتصادي البريطاني.
وفي الختام، يظل الدولار الأمريكي قوياً في ظل تزايد التركيز على البيانات الاقتصادية التي ستحدد مسار السياسة النقدية للبنك الفيدرالي، بينما تواجه العملات الأخرى كاليورو والإسترليني تحديات خاصة بها، سواء كانت سياسية في فرنسا أو تضخمية في بريطانيا، قد تستمر في إضعافها على المدى القصير.
اقرأ أيضا…