الفيدرالي الأمريكي يثبت أسعار الفائدة ويشير إلى تباطؤ الاقتصاد

أبقى مسؤولو البنك الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع. لكن الأهم من ذلك، أنهم خفضوا نظرتهم للاقتصاد الأمريكي بشكل ملحوظ، وهو ما يعد إشارة قوية إلى أن صانعي السياسات قد يقتربون من اتخاذ قرار بخفض تكاليف الاقتراض في المستقبل القريب. هذا التغيير في التقييم يعكس قلقًا متزايدًا بشأن زخم النمو الاقتصادي.
قال المسؤولون في بيانهم الصادر بعد الاجتماع: “على الرغم من أن التقلبات في صافي الصادرات لا تزال تؤثر على البيانات، إلا أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن نمو النشاط الاقتصادي قد تباطأ بشكل ملحوظ في النصف الأول من العام”. كان الفيدرالي قد وصف النمو في بياناته السابقة بأنه يتوسع “بوتيرة قوية”، مما يبرز التحول في تقييمهم للوضع الاقتصادي الراهن. هذا التعديل في اللغة يعكس نظرة أكثر حذرًا للمشهد الاقتصادي الأمريكي.
قرار تثبيت أسعار الفائدة وتصويت اللجنة
صوتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) بنتيجة 9-2 يوم الأربعاء، لصالح تثبيت سعر الفائدة القياسي على الأموال الفيدرالية في نطاق يتراوح بين 4.25% و 4.5%. هذا القرار يتماشى مع النهج الذي اتبعوه في جميع اجتماعاتهم لهذا العام، حيث فضلوا الاستقرار في مواجهة حالة عدم اليقين. ومع ذلك، لم يكن القرار بالإجماع؛ فقد صوت عضوا مجلس الإدارة كريستوفر والر وميشيل بومان ضد القرار، مفضلين خفضًا فوريًا بمقدار ربع نقطة مئوية، مما يشير إلى وجود انقسام داخل اللجنة حول التوقيت المناسب لتغيير السياسة النقدية.
على إثر هذا القرار، قلصت عوائد سندات الخزانة مكاسبها الأولية، بينما بقيت مؤشرات S&P 500 والدولار الأمريكي مرتفعة، مما يعكس رد فعل السوق الذي كان قد استوعب إلى حد كبير توقعات تثبيت الأسعار، وربما بدأ في تسعير احتمالية خفض مستقبلي.
جادل معظم صانعي السياسات داخل الفيدرالي الأمريكي بأن البنك يجب أن يؤجل خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي. هذا التأجيل يهدف إلى إتاحة المزيد من الوقت لقياس التأثير الكامل للرسوم الجمركية المفروضة على التضخم، وضمان أن أي تحرك لن يكون سابقًا لأوانه. كما أكد عدد منهم أن سوق العمل القوي والمرن قد منحهم مساحة كافية للبقاء صبورين، مما يقلل من الحاجة الملحة للتدخل السريع لدعم النمو.
قرار اللجنة بتثبيت الأسعار يتحدى مرة أخرى الضغط المكثف والمتكرر من الرئيس دونالد ترامب لخفض أسعار الفائدة. كان ترامب قد عبر علنًا عن رغبته في رؤية أسعار فائدة أقل لدعم النمو الاقتصادي. وقبل لحظات من إعلان القرار، توقع ترامب أن الفيدرالي سيخفض الأسعار في سبتمبر، وكرر انتقاده للبنك المركزي لعدم تحركه بسرعة أكبر، مما يسلط الضوء على التوتر المستمر بين الإدارة والبنك المركزي المستقل.
نظرة الفيدرالي لسوق العمل والتضخم
كرر مسؤولو البنك المركزي في بيانهم أن سوق العمل لا يزال “قويًا”، مما يشير إلى استمرار التوظيف القوي ومعدلات البطالة المنخفضة. ومع ذلك، ذكروا أيضًا أن التضخم “لا يزال مرتفعًا بعض الشيء”، مما يعكس استمرار المخاوف بشأن استقرار الأسعار، حتى لو كانت المستويات الحالية لا تستدعي خفضًا فوريًا.
في تغيير ملحوظ، أسقط المسؤولون ملاحظة سابقة مفادها أن عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية قد تراجع. بدلاً من ذلك، كرروا وجهة النظر القائلة بأن عدم اليقين “لا يزال مرتفعًا”، مما يشير إلى أن التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المستمرة لا تزال تلقي بظلالها على التوقعات المستقبلية، وتجعل من الصعب التنبؤ بمسار الاقتصاد بدقة.
الأصوات المعارضة في اللجنة: سابقة تاريخية
كانت معارضة كل من كريستوفر والر وميشيل بومان هي المرة الأولى منذ عام 1993 التي يصوت فيها عضوان من مجلس الإدارة ضد قرار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. هذا الانقسام النادر يسلط الضوء على النقاش الداخلي حول التوقيت الأمثل لتعديل السياسة النقدية. تضم اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة سبعة أعضاء من مجلس الإدارة وخمسة من رؤساء البنوك الاحتياطية الإقليمية الـ 12، مما يجعل أي انقسام داخلي ذا أهمية خاصة.
تجدر الإشارة إلى أن والر كان قد صوت ضد قرار اللجنة في مارس بإبطاء وتيرة تقليص ميزانية البنك، مما يدل على موقفه الأكثر تشددًا تجاه السياسة النقدية. بينما صوتت بومان ضد خفض اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بنصف نقطة في سبتمبر الماضي، مفضلةً خفضًا بمقدار ربع نقطة، مما يشير إلى تفضيلها للتحركات التدريجية والحذر في تعديل السياسة.
تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأمريكي
استعد مسؤولو الفيدرالي لارتفاع محتمل في معدلات البطالة والتضخم لأشهر، نتيجة لمجموعة الرسوم الجمركية القوية التي فرضتها إدارة ترامب. كانت التوقعات تشير إلى أن هذه الرسوم قد ترفع تكاليف الاستيراد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار للمستهلكين ويؤثر على سلاسل التوريد.
أظهرت البيانات الصادرة يوم الأربعاء أن الناتج المحلي الإجمالي زاد بنسبة 3% سنويًا في الربع الثاني، بعد أن كان قد انكمش بنسبة 0.5% في الفترة السابقة. هذا التحول الكبير كان سببه إلى حد كبير “استباق الواردات” في الربع الأول، حيث قامت الشركات بتكثيف استيراد السلع لتجنب الرسوم الجمركية المتوقعة، مما أدى إلى تشويه مؤقت في أرقام النمو. في المقابل، تقدم إنفاق المستهلكين بأبطأ وتيرة على مدار أرباع متتالية منذ بداية الوباء، مما يشير إلى ضعف محتمل في المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي.
لكن المفاجأة كانت أن الرسوم الجمركية لم تؤثر بشكل كبير على بيانات التضخم والتوظيف الكلية حتى الآن. جاء التضخم أقل من التقديرات للشهر الخامس على التوالي في يونيو، مما خفف بعض الضغط عن الفيدرالي. ومع ذلك، شهدت أسعار بعض السلع المتأثرة مباشرة بالرسوم الجمركية ارتفاعًا ملحوظًا، بما في ذلك الألعاب والملابس والإلكترونيات، مما يشير إلى تأثيرات قطاعية محددة. في الوقت نفسه، انخفضت البطالة بشكل طفيف إلى 4.1%، ويعزى ذلك جزئيًا إلى تشديد الإدارة على الهجرة، مما قلل من المعروض من العمالة.
مع ذلك، حذر والر من أن جداول الرواتب في القطاع الخاص أظهرت علامات ضعف، وهو ما أثر على موقفه المعارض لقرار تثبيت الأسعار. هذه الملاحظة تشير إلى أن الصورة الكلية لسوق العمل قد لا تكون قوية كما تبدو على السطح، وأن هناك مؤشرات مقلقة تستدعي الحذر.
توقعات المستثمرين والخطوات المستقبلية المحتملة
على الرغم من تصويت والر وبومان ضد قرار اللجنة يوم الأربعاء، إلا أنهما قد لا يكونان بعيدين عن آراء العديد من المسؤولين الآخرين داخل الفيدرالي. ففي يونيو، أظهرت توقعات الأسعار أن صانعي سياسات اثنين كانا يؤيدان ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة هذا العام، بينما توقع ثمانية آخرون تخفيضين، مما يشير إلى أن غالبية اللجنة تتجه نحو سياسة أكثر تيسيرًا في المستقبل القريب.
كانت توقعات المستثمرين لخفض في هذا الاجتماع منخفضة جدًا، حيث كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل احتمالية التثبيت. لكنهم يرون الآن فرصة بنسبة 60% تقريبًا لتحرك بخفض في سبتمبر، وفقًا لتسعير عقود الفائدة الفيدرالية الآجلة. هذه التوقعات تعكس اعتقاد السوق بأن البيانات الاقتصادية المتدهورة وضغوط التضخم المعتدلة ستدفع الفيدرالي في النهاية إلى خفض أسعار الفائدة.
تجدر الإشارة إلى أن الحاكمة أدريانا كوجلر لم تحضر الاجتماع بسبب مسألة شخصية، وفقًا لمتحدث باسم الفيدرالي، مما يعني أن قرار اللجنة اتخذ بغياب أحد أعضائها.
اقرأ أيضا…
2 تعليقات