أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

انخفاض فرص العمل في الولايات المتحدة وتراجع النشاط الصناعي لأول مرة هذا العام

تشير البيانات الأخيرة الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، وبشكل خاص من خلال مسح فرص العمل وتسريحات العمال (JOLTS)، إلى تراجع عدد فرص العمل المتاحة في الولايات المتحدة خلال شهر فبراير، في الوقت الذي ظلّت فيه معدلات التسريحات مستقرة عند مستويات ما قبل الجائحة. وتُعد هذه النتائج مؤشرًا على تباطؤ تدريجي في سوق العمل الأمريكي، مما يُثير تساؤلات حول مستقبل التوظيف والنمو الاقتصادي في ظل الضغوط الناتجة عن السياسات التجارية والاقتصادية الراهنة.

أيضا أظهرت بيانات النشاط الصناعي في الولايات المتحدة، التي صدرت يوم الثلاثاء عن معهد إدارة التوريدات (ISM)، تراجعًا ملحوظًا في نشاط التصنيع لشهر مارس، وهو التراجع الأول الذي يشهده القطاع منذ بداية العام. يأتي ذلك في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن تطبيق التعريفات الجمركية والاضطرابات الاقتصادية التي أحدثتها السياسات التجارية الحالية، مما أدى إلى تسارع ارتفاع الأسعار وشدّة الضغوط على سلاسل التوريد. كما شهدت بعض المؤشرات الخاصة بقطاع الطلب على السلع تصحيحًا في مستويات الطلب، مما يعكس حالة من عدم اليقين وتأثر الشركات بتقلبات السوق.

انخفاض فرص العمل وتحليل البيانات

وفقا لتقرير فرص العمل وتسريحات العمال (JOLTS) الصادر عن مكتب إحصاءات العمل، انخفض عدد الوظائف المتاحة إلى 7.57 مليون وظيفة في شهر فبراير، مقارنة بقراءة مُعدلة بلغت 7.76 مليون وظيفة في شهر يناير.

ويعد هذا الانخفاض أكبر من التوقعات التي كانت تشير إلى وجود حوالي 7.66 مليون فرصة عمل، وهو ما يشير إلى أن سوق العمل يشهد تباطؤا واضحًا في نشاطه.

ويأتي هذا التراجع نتيجة لانخفاض عدد الفرص في قطاعات محددة مثل تجارة التجزئة والأنشطة المالية وخدمات الإقامة والطعام، وهي قطاعات كانت سابقًا تُسهم بشكل كبير في نمو سوق العمل.

وعلى الرغم من انخفاض فرص العمل، ظل معدل التسريحات في الولايات المتحدة ثابتًا عند مستويات تتماشى مع ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يُشير إلى أن الشركات، على الرغم من تراجع فرص التوظيف، لا تزال تتجنب التسريحات الجماعية.

ومع ذلك، أظهرت البيانات أن عدد إعلانات التسريحات قد ازداد في الفترة الأخيرة، خاصةً في ظل خفض بعض الإدارات الحكومية، وهو ما يعد مؤشرا على وجود ضغوط إضافية قد تؤثر على سوق العمل في المستقبل. ويتوقع صدور تقرير إضافي يوم الخميس يشمل تسريحات القطاع الخاص إلى جانب التسريحات الحكومية، مما سيقدم صورة أكثر شمولا عن حالة سوق العمل.

معدل الاستقالة ونسبة الوظائف المفتوحة لكل باحث عن عمل

تشير البيانات أيضا إلى بقاء معدل الاستقالة – وهو مقياس يظهر نسبة الأشخاص الذين يتركون وظائفهم طواعية – عند 2% خلال فبراير، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بالذروة التي بلغت 3% في عام 2022.

وهذا يظهر أن العديد من العاملين يفضلون البقاء في وظائفهم رغم تزايد الشكوك حول الأوضاع الاقتصادية، كما بقيت نسبة الوظائف المفتوحة لكل باحث عن عمل عند 1.1، وهو مؤشر يراقبه الاحتياطي الفيدرالي عن كثب لتقييم توازن العرض والطلب في سوق العمل.

وكانت هذه النسبة قد بلغت مستويات أعلى بكثير خلال فترة الانتعاش بعد الجائحة، حيث سجلت نسب تصل إلى 2 مقابل 1، مما يدل على تنافسية أعلى في السوق آنذاك.

ورغم أن تقرير JOLTS يظهر انخفاضا في فرص العمل، فقد أثار بعض الاقتصاديين تساؤلات حول مصداقية البيانات، خاصة في ظل التعديلات الكبيرة التي تطرأ على القراءات السابقة.

وفي هذا السياق، أظهرت مؤشرات أخرى مثل البيانات الصادرة عن موقع “إنديد” – الذي يقدم مؤشرات يومية عن فرص العمل – انخفاضا في فرص العمل في فبراير، حيث بلغت أدنى مستوياتها في أربع سنوات، مما يضيف بُعدًا آخر للتصور بأن سوق العمل يواجه تحديات حقيقية تتجاوز ما يظهره التقرير الرسمي.

تأثير التوترات الاقتصادية والسياسية على سوق العمل

يأتي التراجع في فرص العمل وسط ظروف اقتصادية صعبة تتأثر بقرارات السياسات التجارية والضغوط الناتجة عن التعريفات الجمركية التي يتبعها الرئيس ترامب.

فقد أدت هذه السياسات إلى خلق بيئة من عدم اليقين أدت إلى تراجع استثمارات الشركات وتباطؤ عملية التوظيف. بالإضافة إلى ذلك، تزايدت المخاوف من أن تؤثر السياسات الحمائية على قدرة المستهلك الأمريكي على الإنفاق، مما يقلل من الطلب العام ويؤثر سلبا على النمو الاقتصادي.

ومن المتوقع أن تظهر بيانات سوق العمل القادمة – وخاصة تقرير الوظائف الذي سيصدر يوم الجمعة – مزيدا من المؤشرات حول مدى تباطؤ عمليات التوظيف وارتفاع معدلات البطالة،

وهو ما سيشكل تحديا إضافيا للنمو الاقتصادي الأمريكي. في ظل هذه الظروف، يعتبر استمرار التزام الشركات بالتسريحات المحدودة مؤشرا على محاولة الحفاظ على استقرار سوق العمل، حتى وإن كان ذلك على حساب فرص التوظيف الجديدة.

وعلى المدى القصير، يتوقع الاقتصاديون استمرار تباطؤ نمو سوق العمل في ظل ضغوط السياسات التجارية وعدم اليقين الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، تظهر بعض البيانات الاقتصادية، مثل انخفاض نسبة الوظائف المفتوحة لكل باحث عن عمل وثبات معدل الاستقالة، أن سوق العمل قد بدأ يتجه نحو استقرار نسبي.

انخفاض مؤشر التصنيع وتراجع الطلب

انخفض مؤشر إدارة التوريدات الخاص بالتصنيع بمقدار 1.3 نقطة في شهر مارس ليصل إلى 49 نقطة، وهو مستوى أدنى من 50 يشير إلى انكماش النشاط الصناعي.

ووفقا للبيانات الصادرة، جاء هذا التراجع أقوى مما كان متوقعا من قبل الاقتصاديين الذين توقعوا قراءة متوسطة عند 45 نقطة.

ويظهر هذا الانخفاض في مؤشر التصنيع أن الطلب على المنتجات الصناعية قد تراجع، مما دفع الشركات إلى تقليل حجم الإنتاج والاعتماد على تخفيضات في الطلب لتحقيق توازن في سلاسل التوريد.

ارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط التضخمية

رافق تراجع النشاط الصناعي تسارع حاد في أسعار السلع، حيث سجل مؤشر الأسعار في قطاع التصنيع ارتفاعا ملحوظا، ليكون أعلى مستوى له منذ يونيو 2022.

فقد ارتفعت الأسعار بشكل مستمر خلال الشهرين الماضيين بزيادة إجمالية قدرها 14.5 نقطة، وهو أعلى معدل زيادة خلال فترة مماثلة على مدى الأربع سنوات الماضية.

وقد ساهم ارتفاع الأسعار في تفاقم الضغوط التضخمية داخل القطاع الصناعي، مما دفع الشركات إلى زيادة أسعار منتجاتها، في محاولة لتعويض الانخفاض في الطلب وتكاليف الإنتاج المتزايدة.

كما شهد مؤشر الطلب على الطلبات الصناعية انخفاضا حادا، حيث تراجع إلى أدنى مستوى له منذ مايو 2023. وقد أدى التراجع في الطلب إلى انخفاض حجم الطلبات المستقبلية، ما تسبب في تراجع الإنتاج وتصحيح مستويات الطلب.

كما تراجعت معدلات التوظيف في المصانع بأسرع وتيرة منذ سبتمبر، مما يدل على أن الشركات باتت تقلص من عدد الموظفين نتيجة لتراجع الطلب والتقلبات الاقتصادية.

تأثير السياسات التجارية والرسوم الجمركية

أثرت السياسات التجارية التي يتبعها الرئيس دونالد ترامب على نشاط القطاع الصناعي بشكل مباشر، إذ أشار العديد من المشاركين في الاستطلاع إلى أن عدم اليقين الناتج عن تطبيق الرسوم الجمركية المتقطعة والغامضة قد تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج الصناعي.

فقد أدت السياسات الجمركية غير المتسقة إلى خلق حالة من التشويش في الأسواق، حيث أصبح من الصعب على الشركات وضع خطط استثمارية طويلة الأجل في ظل غموض السياسات والتغييرات المستمرة.

ووفقا لما ذكره رئيس لجنة الاستطلاع التابعة لمعهد ISM، تيموثي فيوري، فإن “الشركات قامت بتقليل حجم الطلب وتخفيض الأجور والعمالة كرد فعل على حالة عدم اليقين الناتجة عن تطبيق الرسوم الجمركية وعدم استقرار الأسعار.”

أيضا ساهم انخفاض المخزونات الأمريكية من النفط في تعزيز الطلب على المنتجات الصناعية، إذ أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي أن الطلب انخفض بشكل أكبر مما كان متوقعا، مما دفع الشركات إلى تعديل استراتيجياتها الإنتاجية والاعتماد على التخزين الاحتياطي لتعويض الفجوة بين العرض والطلب.

وقد أُشارت أيضا إلى أن التدابير المتخذة من قبل الدول المنتجة مثل أوكرانيا وروسيا قد تؤدي إلى تقليل حجم الإنتاج وزيادة حالة الشح في الأسواق العالمية.

وفي ظل هذه الظروف، يظل عدم اليقين بشأن الاستقرار الاقتصادي والتجاري أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على قرارات التوظيف والاستثمار في القطاع الصناعي.

توقعات مستقبلية للقطاع الصناعي

يتوقع المحللون أن تظل حالات عدم اليقين مستمرة خلال الفترة المقبلة، خاصةً مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية والسياسات التجارية غير الواضحة.

وفي ظل ذلك، من المحتمل أن تستمر الشركات في تقليص حجم الإنتاج وعدم توسيع قوة العمل بشكل كبير حتى تتضح صورة النمو الاقتصادي في الأشهر القادمة.

كما أن تأثير التقلبات الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى المخاوف الناتجة عن ارتفاع الأسعار، سيستمر في تشكيل توقعات المستثمرين حول مستقبل النشاط الصناعي في الولايات المتحدة، وأيضا يشير انخفاض معدلات الاستقالة وعدم ارتفاع فرص العمل بشكل ملحوظ إلى أن الشركات تفضل الاستقرار على حساب التوسع، مما يعكس حالة من الانتظار حيال اتخاذ خطوات استثمارية كبيرة في المستقبل القريب.

وفي ظل هذه التحديات، يتعين على صانعي السياسات تعزيز الثقة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار في القطاع الصناعي.

فالإجراءات الحكومية مثل تخفيض أسعار الفائدة أو تقديم حوافز استثمارية قد تلعب دورا مهما في دعم النشاط الصناعي، كما أن تحقيق استقرار في السياسات التجارية والجمركية سيساهم في رفع توقعات النمو لدى الشركات.

ويعد استمرار التخفيضات في معدلات التضخم وتحسين بيانات الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق الشخصي من العوامل المؤثرة على الثقة الاقتصادية التي يعتمد عليها القطاع الصناعي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى