أسعار الذهب تقفز فوق مستويات 5190 دولار

شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مستفيدة من تراجع العملة الأمريكية وتزايد الطلب على الملاذات الآمنة في ظل حالة من عدم اليقين التي تكتنف السياسات التجارية للولايات المتحدة والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. يعكس هذا الزخم حالة من “الهروب إلى الجودة” (Flight to Quality) التي تسيطر على سلوك المستثمرين في أوقات الاضطرابات الهيكلية في النظام التجاري العالمي.
أداء أسعار الذهب عالمياً اليوم
سجل سعر الذهب الفوري ارتفاعاً بنسبة 0.8% ليصل إلى 5,190.99 دولاراً للأونصة، في حين صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل بنسبة 0.7% لتستقر عند 5,210.40 دولاراً. يأتي هذا الصعود ليعزز مكانة المعدن الأصفر فوق حاجز الـ 5000 دولار النفسي، مدفوعاً بعدة عوامل جوهرية تتداخل فيها السياسة النقدية بالصراعات الدولية.
1. تراجع مؤشر الدولار الأمريكي وتأثيره العكسي
لعب انخفاض مؤشر الدولار (DXY) بنسبة 0.1% دوراً محورياً في دعم أسعار الذهب؛ فالعلاقة العكسية التقليدية بين “الأخضر” والمعدن الأصفر عادت لتتصدر المشهد. تراجع الدولار يجعل المعدن المسعر به أقل تكلفة وجاذبية بالنسبة لحائزي العملات الأخرى مثل اليورو والين، مما حفز شهية الشراء العالمية. هذا التراجع الطفيف في العملة الأمريكية يعكس أيضاً ترقباً في الأسواق لمدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل تكاليف الحمائية التجارية دون الانزلاق إلى مستويات تضخمية مفرطة.
2. ضبابية السياسة الجمركية الأمريكية وتبعاتها التضخمية
تتجه أنظار الأسواق نحو واشنطن، حيث سادت حالة من الارتباك عقب قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي أبطل بعض إجراءات الرسوم الجمركية السابقة، مما خلق فجوة تشريعية وتنفيذية أثارت قلق المستثمرين. وعلى الرغم من هذا التخبط، بدأت الإدارة الأمريكية فعلياً في تحصيل رسوم استيراد عالمية مؤقتة بنسبة 10%، مع إشارات قوية من البيت الأبيض لرفعها إلى 15%.
إن تداعيات هذه الرسوم تتجاوز مجرد أرقام جمركية، فهي تهدد بإعادة إشعال فتيل التضخم العالمي من خلال زيادة تكاليف الإنتاج والسلع المستوردة. وفي مثل هذه البيئات “التضخمية-الركودية”، يبرز الذهب كأداة وحيدة تقريباً قادرة على الحفاظ على القوة الشرائية، وهو ما يفسر الإقبال الكثيف عليه حالياً كدرع واقية ضد تآكل قيمة الأصول الورقية.
3. التوترات الجيوسياسية: جنيف والخليج في بؤرة الاهتمام
تزامن تحرك أسعار الذهب مع استعدادات دبلوماسية مكثفة، حيث يلتقي مبعوثون أمريكيون بوفد إيراني في جنيف في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الجولة الثالثة من المحادثات النووية. إلا أن التفاؤل الدبلوماسي يصطدم بواقع ميداني متوتر؛ فالتقارير الاستخباراتية حول صفقات تسليح إيرانية تشمل صواريخ كروز صينية الصنع قد تغير موازين القوى في الممرات المائية الحيوية.
هذه التوترات تزيد من “علاوة المخاطر” (Risk Premium) المضافة لسعر الذهب. فالمستثمرون يخشون من أن أي احتكاك عسكري مباشر قد يؤدي إلى اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، مما يجعل الذهب الخيار الاستراتيجي الأول للتحوط ضد سيناريوهات الأزمات الكبرى.
توقعات “جي بي مورجان”: هل يصل الذهب إلى 6300 دولار؟
في تقرير تحليلي معمق صدر اليوم الأربعاء، قام بنك “جي بي مورجان” (JP Morgan) بتحديث خارطة الطريق السعرية للمعدن النفيس، حيث رفع توقعاته طويلة الأجل لتستقر عند 4500 دولار كقاعدة سعرية جديدة. والأكثر إثارة كان تمسك البنك بمستهدف طموح لنهاية عام 2026 عند مستوى 6300 دولار للأونصة.
وعزا المحللون هذه القفزة المتوقعة إلى ثلاثة ركائز استراتيجية:
- مشتريات البنوك المركزية السيادية: التي لم تعد تكتفي بالاحتياطيات التقليدية، بل باتت ترى في الذهب أصلاً استراتيجياً مستقلاً عن الهيمنة الدولارية.
- إعادة تشكيل النظام النقدي: التوجه المتزايد نحو “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) في المعاملات البينية بين الاقتصادات الناشئة، مما يرفع الطلب الهيكلي على الذهب كضمانة دولية.
- التحوط ضد “تخفيض قيمة العملة”: مع تزايد الديون السيادية العالمية، يزداد لجوء المستثمرين إلى “التداول على انخفاض العملة” (Debasement Trade)، حيث يمثل الذهب الملاذ النهائي الذي لا يمكن طباعته أو التلاعب بقيمته من قبل البنوك المركزية.
أداء المعادن الثمينة الأخرى
لم تقتصر المكاسب على الذهب، بل امتدت لتشمل سلة المعادن النفيسة والصناعية، مما يشير إلى تفاؤل عام بقطاع الأصول الصلبة:
- الفضة: سجلت قفزة نوعية بنسبة 4.2% لتصل إلى 90.96 دولاراً للأونصة، مستفيدة من صفتها كمعادن صناعية ونفيسة في آن واحد، وهو أعلى مستوى لها في ثلاثة أسابيع.
- البلاتين: حقق أداءً استثنائياً بارتفاعه 5.8% ليصل إلى 2293.69 دولاراً، مدعوماً بمخاوف نقص الإمدادات.
- البلاديوم: واصل رحلة الصعود بإضافة 2.8%، مستقراً عند أعلى مستوياته في ثلاثة أسابيع عند 1817.22 دولاراً.
ختاما وفقاً للقراءات الفنية الحالية، فإن نجاح أسعار الذهب في التماسك فوق مستوى الدعم المحوري 5100 دولار يمنح الثيران (المشترين) سيطرة كاملة على الاتجاه العام. الاختراق الناجح لمستويات المقاومة عند 5205 دولاراً قد يفتح الباب تقنياً لاختبار القمم التاريخية السابقة. وفي ظل غياب أي بوادر لتهدئة تجارية أو سياسية، تظل الكفة راجحة لصالح المزيد من الارتفاعات، مما يجعل الذهب “سيد الموقف” في محافظ الاستثمار العالمية لهذا العام.
اقرأ أيضا…



