أداء الأسهم الأمريكية: استقرار نسبي في المؤشرات وضغوط متزايدة على قطاع البرمجيات

شهدت الأسهم الأمريكية حالة من الاستقرار الحذر المائل للارتفاع الطفيف في ختام تداولات يوم الثلاثاء، حيث خيمت تراجعات أسهم شركات البرمجيات بشكل ملموس على أداء المؤشرات الرئيسية. هذا التراجع في قطاع التكنولوجيا المتخصص حدّ من قدرة السوق على الاستفادة الكاملة من الزخم الإيجابي والمكاسب التي حققتها القطاعات الحيوية الأخرى، وفي مقدمتها القطاع المالي الذي لعب دور صمام الأمان للمؤشرات.
ملخص أداء المؤشرات الرئيسية للأسهم الأمريكية
أنهت المؤشرات الثلاثة الكبرى في بورصة وول ستريت تعاملاتها على تباين محدود يميل إلى الإيجابية الهامشية:
- مؤشر S&P 500: ارتفع بنسبة طفيفة بلغت 0.1% ليغلق عند مستوى 6,843.22 نقطة، مدفوعاً بقوة أسهم المصارف التي وازنت خسائر التكنولوجيا.
- مؤشر ناسداك المركب (Nasdaq): المثقل بأسهم التكنولوجيا، نجح في الإغلاق على ارتفاع بنسبة 0.14% ليصل إلى 22,578.38 نقطة، رغم الضغوط البيعية الواضحة على شركات البرمجيات.
- مؤشر داو جونز الصناعي: سجل صعوداً بواقع 32.26 نقطة أو ما يعادل 0.07%، مستقراً عند 49,533.19 نقطة، محاولاً التعافي من سلسلة تراجعات سابقة.
جاء هذا الأداء الهادئ في أولى جلسات الأسبوع بعد عطلة “يوم الرؤساء” التي توقفت فيها التداولات يوم الاثنين، حيث عاد المستثمرون إلى قاعات التداول بنهج انتقائي، مفضلين مراقبة التحولات القطاعية العميقة بدلاً من الاندفاع العشوائي نحو الشراء.
الهروب من البرمجيات نحو ملاذات القطاع المالي
لاحظ مراقبو الأسهم الأمريكية توجهاً استراتيجياً من قبل صناديق الاستثمار لإعادة تدوير السيولة النقدية؛ حيث جرى التخلص من مراكز في أسهم البرمجيات التي عانت من ضغوط مستمرة منذ مطلع العام، وتوجيه تلك التدفقات نحو المؤسسات المالية الكبرى التي تعتبر أكثر استقراراً في البيئة الاقتصادية الحالية.
- سهم سيتي جروب (Citigroup): قفز بنسبة 2.6%، مدعوماً بتوقعات إيجابية حول هوامش الفائدة والنتائج الفصلية.
- سهم جيه بي مورجان (JPMorgan): سجل ارتفاعاً تجاوز 1%، مما يعكس ثقة المستثمرين في متانة الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى.
في المقابل، استمر نزيف النقاط الحاد في قطاع البرمجيات؛ حيث تراجع سهم “سيلز فورس” (Salesforce) بنحو 3%، وهبط سهم “أوراكل” (Oracle) بنسبة 4%، مما يعكس القلق من تباطؤ الإنفاق المؤسسي. كما انخفض صندوق (IGV) المتخصص في قطاع البرمجيات بنسبة تزيد عن 2%، لتصل خسائره السنوية المتراكمة إلى 23%، وهو ما يضع القطاع في منطقة “التصحيح” الفني القاسي.
تحديات الذكاء الاصطناعي وإعادة تقييم “الخنادق الاقتصادية”
يرجع المحللون هذه الضغوط البيعية العنيفة على شركات البرمجيات إلى مخاوف هيكلية تتعلق بقدرة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على استبدال الحلول البرمجية التقليدية أو تقليص الحاجة إليها. هذا التحول يضع نماذج الأعمال القائمة منذ عقود تحت مجهر الاختبار.
وترى ليا بينيت، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في “Concurrent Investment Advisors”، أن السوق يمر بمرحلة “فرز” قاسية، حيث يحتاج المستثمرون لمزيد من الوقت لتقييم مدى مرونة أرباح هذه الشركات. وأوضحت أن الشركات التي تفتقر إلى “خنادق اقتصادية” (Moats) حقيقية —أي مزايا تنافسية يصعب اختراقها— ستواجه تدهوراً حاداً في قيمتها السوقية أمام الابتكارات التي توفر بدائل أرخص وأسرع تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
من جانبه، أشار سكوت كرونرت، استراتيجي الأسهم في “Citi”، إلى أن حمى الابتكار في الذكاء الاصطناعي خلقت حالة من “عدم اليقين” حول التقييمات المستقبلية (Multiples)، مما دفع المستثمرين للتركيز على مخاطر تشغيلية محددة. وأكد أن العبء يقع الآن على عاتق الإدارات التنفيذية لإقناع الأسواق بقدرة شركاتها على الصمود والابتكار، وهو ما سيكون السمة الأبرز لموسم نتائج أعمال الربع الأول.
التوقعات الاقتصادية ومسار التضخم المعقد
على الرغم من صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) التي جاءت أكثر اعتدالاً من التوقعات لشهر يناير، متبوعة بتقرير وظائف قوي، إلا أن الحذر لا يزال يسيطر على معنويات المتداولين في سوق الأسهم الأمريكية. فالخوف من عودة التضخم أو بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لا يزال يلقي بظلاله على شهية المخاطرة.
يترقب المستثمرون هذا الأسبوع محطات اقتصادية مفصلية ستحدد وجهة السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي:
- محضر اجتماع الفيدرالي: المقرر صدوره يوم الأربعاء، والذي سيكشف عن كواليس مناقشات صناع السياسة النقدية ومدى قلقهم من استمرار التضخم في قطاع الخدمات.
- مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE): التقرير المنتظر يوم الجمعة، وهو المعيار الذي يعتمد عليه الفيدرالي بشكل أساسي لقياس وتيرة التضخم، حيث إن أي مفاجأة في هذا البيان قد تؤدي إلى موجة تقلبات جديدة.
تأتي هذه التحركات بعد أسابيع اتسمت بالصعوبة للأسهم الأمريكية؛ حيث سجل مؤشر ناسداك خسارته الأسبوعية الخامسة على التوالي، وهي أطول سلسلة تراجعات منذ عام 2022. هذا المشهد يجعل من مراقبة البيانات الكلية والنتائج القطاعية أمراً حيوياً للمستثمرين الساعين لتحديد اتجاه السوق وتجنب الفخاخ السعرية في المدى المتوسط.
اقرأ أيضا…



