أخبار الأسواقأخبار الإسترليني دولارفوركس

البطالة في بريطانيا تقفز لأعلى مستوى منذ 5 سنوات

تصدّر ملف البطالة في بريطانيا المشهد الاقتصادي العالمي اليوم بعد صدور بيانات رسمية تشير إلى تبريد واضح وملموس في سوق العمل البريطاني. هذه المستجدات تضع لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا (BOE) أمام منعطف حاسم لإعادة تقييم استراتيجية الفائدة المتشددة التي انتهجتها لمواجهة التضخم، حيث بدأ الركود في التوظيف يلقي بظلاله على النمو الاجمالي.

ارتفاع معدل البطالة في بريطانيا إلى 5.2%

أعلن مكتب الإحصاء الوطني (ONS) يوم الثلاثاء أن معدل البطالة في بريطانيا قفز إلى 5.2% في الربع الأخير من العام الماضي، مسجلاً زيادة عن نسبة 5.1% المرصودة في الفترة ما بين سبتمبر ونوفمبر. ويعد هذا المستوى هو الأعلى الذي تصله البلاد منذ يناير 2021، ما يشكل دليلاً قوياً على تراجع مرونة سوق العمل التي كانت قد بلغت مستويات تاريخية من القوة في صيف 2022 حين استقر معدل البطالة عند 3.6%.

ويشير هذا الارتفاع المتدرج، الذي بدأ من 4.4% قبل عام واحد، إلى أن دورة التوظيف قد دخلت مرحلة الانكماش فعلياً، مع تزايد عدد الباحثين عن عمل مقابل تراجع فرص التوظيف المتاحة.

تباطؤ نمو الأجور وتأثيره على دوامة التضخم

بالتوازي مع زيادة أعداد العاطلين عن العمل، كشفت البيانات عن تباطؤ ملحوظ في وتيرة نمو الأجور السنوية (باستثناء المكافآت) لتستقر عند 4.2%، وهو أدنى مستوى لها منذ أوائل عام 2022.

هذا التراجع يعد “أخباراً سارة” لصناع السياسة النقدية، إذ يساهم في كسر ما يعرف بـ “دوامة الأجور والأسعار”؛ حيث يؤدي انخفاض نمو الرواتب إلى تقليل تكاليف التشغيل للشركات، ما ينعكس بدوره على استقرار أسعار المستهلكين، خاصة في قطاع الخدمات الذي يهيمن على نحو 80% من النشاط الاقتصادي البريطاني.

بنك إنجلترا وضغوط خفض أسعار الفائدة في مارس

تعزز هذه المؤشرات الاقتصادية التوقعات السائدة في الأسواق بأن يبدأ بنك إنجلترا في تخفيف قبضته النقدية وخفض أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب خلال شهر مارس. ويرى المحللون أن “برودة” سوق العمل الحالية تمنح صناع القرار الضوء الأخضر للتحرك، كونها تقلل من مخاطر حدوث تضخم هيكلي طويل الأمد وتدفع المؤشر نحو المستهدف الرسمي البالغ 2%.

أبرز تداعيات البيانات على المشهد المالي:

  • تراجع الجنيه الإسترليني: شهدت العملة البريطانية ضغوطاً بيعية فورية مقابل الدولار واليورو، حيث تعامل المستثمرون مع البيانات كإشارة يقينية بقرب خفض العائد على الإسترليني.
  • انخفاض عوائد السندات: تراجعت عوائد السندات الحكومية البريطانية (Gilt yields) بشكل حاد، ما يعكس تسعير الأسواق لسياسة نقدية أكثر تيسيراً في الأمد القريب.
  • توقعات المؤسسات الكبرى: يرجح خبراء “كابيتال إيكونوميكس” أن يقود هذا التباطؤ البنك المركزي لخفض الفائدة من مستواها الحالي البالغ 3.75% وصولاً إلى عتبة 3.0% بنهاية عام 2026، وذلك لتفادي حدوث انكماش اقتصادي أعمق.

التحديات التي تواجه الشركات والتوظيف

لا تزال الشركات البريطانية ترزح تحت وطأة ضغوط تشغيلية مزدوجة؛ فمن جهة، ساهمت زيادة ضرائب الرواتب التي أقرت في عام 2025 في تقليص هوامش الربح، ومن جهة أخرى، يترقب أصحاب العمل رفع الحد الأدنى للأجور في أبريل المقبل، وهو ما يفرض أعباءً إضافية قد لا تتحملها الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وأوضح مسؤولو غرف التجارة البريطانية أن هذا المشهد الضبابي جعل الشركات تتبنى استراتيجية “الانتظار والترقب”، مفضلة تجميد الوظائف الشاغرة بدلاً من المخاطرة بتوظيف كوادر جديدة في بيئة اقتصادية غير مستقرة. كما تجلى هذا القلق في انخفاض مؤشر “إس آند بي جلوبال” لثقة المستهلكين إلى أدنى مستوياته في ثمانية أشهر، ما يشير إلى أن الأسر بدأت تشعر فعلياً بضعف سوق العمل وتهديدات الاستغناء عن العمالة.

وفي ظل هذه المعطيات، قام بنك إنجلترا بتحديث توقعاته المتشائمة، مشيراً إلى أن معدل البطالة قد يصل لذروته عند 5.3% في منتصف عام 2026. ومع استمرار ظهور أدلة تقنية على تراجع ضغوط الأجور وتباطؤ الطلب المحلي، سينصب تركيز البنك في المرحلة القادمة على تحقيق “هبوط ناعم” للاقتصاد؛ بحيث يتم خفض التضخم دون التسبب في أزمة بطالة واسعة النطاق.

هذا التوازن الدقيق يجعل من البيانات القادمة، خاصة المتعلقة بنمو الناتج المحلي الإجمالي وأرقام التوظيف في يناير، حجر الزاوية الذي سيبني عليه البنك قراره التاريخي في مارس، في ظل مراقبة حثيثة من الأسواق العالمية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى