أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تستقر وسط ترقب الأسواق لنتائج مفاوضات جنيف الدبلوماسية

شهدت أسعار النفط حالة من الاستقرار الملحوظ خلال تداولات يوم الثلاثاء، حيث خيّم الحذر على سلوك المستثمرين الذين آثروا مراقبة التطورات بدلاً من اتخاذ مراكز شرائية أو بيعية واسعة. يأتي هذا الترقب في ظل انطلاق جولات دبلوماسية مكثفة في مدينة جنيف السويسرية، والتي تُعد بمثابة بوصلة ستحدد مسار الطاقة العالمي في المدى القريب. وتتجه الأنظار بتركيز شديد صوب ملفين شائكين: المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والمفاوضات الثلاثية الروسية الأوكرانية برعاية أمريكية، واللتين تمثلان اليوم حجر الزاوية في صياغة معادلة العرض والطلب العالمية.

أداء عقود خام برنت والخام الأمريكي اليوم

على صعيد التداولات الفورية، سجلت العقود الآجلة لخام برنت تراجعاً طفيفاً بمقدار 23 سنتاً، أو ما يعادل 0.34%، لتستقر عند مستويات 68.42 دولاراً للبرميل بحلول الساعة 1053 بتوقيت غرينتش. هذا التراجع الطفيف يمثل حركة تصحيحية هادئة بعد المكاسب القوية التي حققها الخام يوم الاثنين بنسبة تجاوزت 1.3%.

في المقابل، أظهر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي صعوداً ظاهرياً إلى 63.57 دولاراً للبرميل، بزيادة قدرها 68 سنتاً أو 1.08%. إلا أن هذا الارتفاع يعكس في جوهره نشاط يومين من التداول مدمجين، نظراً لإغلاق الأسواق الأمريكية يوم الاثنين بمناسبة عطلة “يوم الرؤساء”، مما جعل التسوية السعرية تتأخر حتى اليوم. وتزامن هذا الهدوء النسبي في أحجام التداول مع غياب السيولة الآسيوية، حيث أغلقت مراكز مالية كبرى مثل الصين وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وسنغافورة أبوابها احتفالاً بعطلات رأس السنة القمرية، مما قلل من الضغوط البيعية والشرائية المعتادة.

المحادثات الإيرانية الأمريكية وتعقيدات مضيق هرمز

تظل العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران المحرك الأكثر حساسية في ملف أسعار النفط. وقد بدأت في جنيف جولة من المحادثات غير المباشرة بوساطة عُمانية رصينة، وبمشاركة وفد أمريكي رفيع يضم مبعوثين بارزين مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أمام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه المفاوضات في أبعاد تفصيلية تثير قلق الأسواق:

  1. التهديد المباشر لأمن الإمدادات: يمثل تلويح طهران بإغلاق مضيق هرمز كابوساً اقتصادياً، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. أي تعثر في المفاوضات قد يترجم فوراً إلى “علاوة مخاطر” ترفع الأسعار بشكل جنوني.
  2. ارتباط الدبلوماسية بالتحركات العسكرية: تزامنت المحادثات مع بدء إيران مناورات عسكرية واسعة في قلب الممر المائي، في مقابل حشود عسكرية أمريكية في المنطقة، مما يخلق بيئة من “دبلوماسية حافة الهاوية” التي تجعل الأسواق في حالة تأهب قصوى.
  3. دور الوسطاء الإقليميين: تعكس الوساطة العُمانية رغبة دول الخليج في نزع فتيل الأزمة، حيث تدرك الدول المصدرة أن الاستقرار المستدام هو الضمان الوحيد لنمو الطلب العالمي بعيداً عن صدمات العرض المفاجئة.

المفاوضات الروسية الأوكرانية: آفاق عودة الخام الروسي

على الجانب الآخر من جنيف، تجري محادثات سلام موازية بين مسؤولين من روسيا وأوكرانيا برعاية أمريكية، وهي مفاوضات يراقبها المستثمرون ليس فقط لأبعادها الإنسانية، بل لنتائجها المباشرة على تدفقات الطاقة. وتتمحور تداعيات هذا الملف حول:

  • إعادة تشكيل خارطة العقوبات: إن أي تقدم ملموس في ملف “الأراضي”، وهو نقطة الخلاف المركزية، قد يفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، مما يمهد الطريق لعودة ملايين البراميل إلى السوق الرسمي ويخفف من حدة الضيق في المعروض العالمي.
  • استمرار الحرب الطاقية المستترة: تظل الهجمات الأوكرانية بالمسيرات على البنية التحتية النفطية الروسية، وآخرها مصفاة “إيلسكي” ومنشآت ميناء “تامان”، تذكيراً دائماً للمستثمرين بأن الإمدادات لا تزال تحت التهديد، مما يمنع أسعار النفط من التراجع لمستويات ما قبل الأزمة.

هيمنة الإشارات الدبلوماسية على الأساسيات

من الناحية التحليلية، يبدو أن معنويات السوق قد انفصلت جزئياً عن “أساسيات” العرض والطلب المادية لتلتصق بشكل كامل بنبرة التصريحات الدبلوماسية. فالسوق اليوم لا يتفاعل مع حجم المخزونات بقدر تفاعله مع كلمة “تفاؤل” أو “مطالب غير واقعية” تصدر من أروقة جنيف.

وتشير التوقعات إلى أن أسعار النفط ستظل أسيرة لتقلبات حادة في اتجاهين متعاكسين؛ فبمجرد صدور إشارة عن “اختراق دبلوماسي”، قد نشهد موجة بيع سريعة (Sell-off) مع تراجع علاوة المخاطر. أما في حال تعثر الحوار، فإن العودة إلى مستويات سعرية مرتفعة ستكون سريعة جداً، مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات الحاد. إنها مرحلة “الانتظار والترقب” بامتياز، حيث تتصدر السياسة المشهد الاقتصادي بالكامل.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى