أسعار النفط في حالة ترقب: كيف تؤثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية وقرارات أوبك+ على السوق؟

تشهد أسعار النفط العالمية حالة من الاستقرار النسبي المشوب بالحذر الشديد خلال تعاملات اليوم، حيث يجد المستثمرون أنفسهم في موقف “الانتظار والترقب” لموازنة كفتي الميزان؛ فمن جهة هناك احتمالات حقيقية لخفض التصعيد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى تبرز التوقعات بزيادة مطردة في الإمدادات من تحالف “أوبك+”. وتأتي هذه التحركات السعرية الحذرة في وقت حساس، حيث تترقب مراكز التداول في لندن ونيويورك نتائج الجولة الثانية والحاسمة من المحادثات النووية رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران في مدينة جنيف السويسرية.
أداء أسعار النفط اليوم
سجلت العقود الآجلة لخام برنت استقراراً لافتاً بالقرب من مستويات 67.52 دولاراً للبرميل، بينما تذبذب خام غرب تكساس الوسيط (WTI) في نطاق ضيق حول مستوى 62.72 دولاراً. هذا الأداء الذي يوصف بالباهت أو “العرضي” يعود في جزء كبير منه إلى غياب المحفزات القوية وتزامن التداولات مع عطلات رسمية في مراكز مالية كبرى؛ حيث أغلقت الأسواق في الولايات المتحدة بمناسبة “يوم الرؤساء”، بالإضافة إلى إغلاق الأسواق في الصين وكوريا الجنوبية وتايوان احتفالاً بالسنة القمرية الجديدة، مما أدى إلى جفاف السيولة وتراجع وتيرة المضاربات.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، نجد أن الأسواق قد استهلت هذا الأسبوع بعد تراجعات أسبوعية طفيفة بلغت حوالي 0.5% لخام برنت و1% للخام الأمريكي. ويعزى هذا الانخفاض بشكل مباشر إلى التصريحات الدبلوماسية المتفائلة التي صدرت عن البيت الأبيض، والتي لمحت إلى إمكانية إبرام صفقة شاملة مع طهران خلال المدى القريب، مما أدى إلى انحسار “علاوة المخاطر” التي كانت تغذي الأسعار نتيجة الخوف من تعطل إمدادات الطاقة العالمية.
المفاوضات الأمريكية الإيرانية المحرك الاستراتيجي الأول لأسواق الطاقة
تتجه الأنظار اليوم إلى جنيف، حيث تُعقد مفاوضات لا تقتصر فقط على الملف النووي، بل تمتد لتشمل ترتيبات أمنية واقتصادية واسعة. الهدف المعلن هو نزع فتيل مواجهة عسكرية قد تكون كارثية، وسط تقارير دبلوماسية تشير إلى أن طهران تسعى للحصول على حزمة اقتصادية متكاملة تتضمن استثمارات كبرى في قطاعي الطاقة والتعدين، بالإضافة إلى تسهيلات لشراء طائرات مدنية، مقابل تقديم تنازلات ملموسة في برنامجها النووي.
وفقاً لمحللي الأسواق والخبراء في “جولدمان ساكس” و”إس إي بي” (SEB)، فإن اتجاه بوصلة أسعار النفط في الأشهر القادمة يعتمد بشكل جذري على النتائج النهائية لهذه المحادثات:
- سيناريو الانفراجة الدبلوماسية: في حال التوصل إلى اتفاق “النفط مقابل الامتثال”، قد تشهد السوق رفعاً تدريجياً للقيود على الصادرات الإيرانية التي تقدر حالياً بنحو 3.3 مليون برميل يومياً. عودة هذه البراميل بشكل شرعي وكامل إلى السوق العالمية قد تخلق فائضاً فورياً، مما يضع ضغوطاً هبوطية قوية تدفع أسعار خام برنت لاختبار مستويات الدعم عند 60 دولاراً للبرميل أو ما دون ذلك.
- سيناريو الفشل والتصعيد: هذا هو السيناريو الأكثر رعباً للأسواق؛ ففشل الدبلوماسية في جنيف قد يدفع واشنطن لتفعيل “الخطة ب” التي تتضمن تعزيز الوجود العسكري في المنطقة (كما يشير وصول حاملة طائرات ثانية بالفعل). في هذه الحالة، ستعود المخاوف من إغلاق مضيق هرمز أو تعرض المنشآت النفطية لهجمات، وهو ما قد يقفز بأسعار خام برنت في رحلة سريعة لتجاوز حاجز الـ 80 دولاراً للبرميل نتيجة الذعر الشرائي.
تحالف أوبك+ ومعادلة العرض لعام 2026
في الوقت الذي تشتعل فيه الجبهة السياسية، يعمل تحالف “أوبك+” بقيادة السعودية وروسيا على إدارة الجانب المادي من السوق. تشير التسريبات إلى أن التحالف يميل وبقوة لاستئناف خطة “إعادة البراميل” تدريجياً بدءاً من شهر أبريل المقبل. هذا القرار الذي قد يُتخذ في اجتماع الأول من مارس، يهدف إلى الموازنة بين الحفاظ على مستويات سعرية مجزية وبين تلبية الطلب الموسمي القوي المتوقع خلال فصل الصيف.
إن رغبة “أوبك+” في زيادة الإنتاج تعكس ثقة حذرة في نمو الطلب العالمي، خاصة مع توقعات المنظمة بنمو الطلب بنحو 1.38 مليون برميل يومياً في عام 2026. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة الإنتاجية تعمل كـ “صمام أمان” يمنع الأسعار من الانفلات صعوداً، حتى في حال استمرار التوترات الجيوسياسية، مما يضيف طبقة أخرى من الاستقرار للسوق الحالي.
ختاما تظل أسعار النفط حالياً عالقة في منطقة “التجاذب” بين القوى الأساسية للعرض والطلب وبين الضجيج السياسي القادم من جنيف. ومع وجود فائض هيكلي متوقع في المعروض خلال عام 2026 نتيجة زيادة الإنتاج من خارج أوبك (مثل الولايات المتحدة والبرازيل)، فإن “الانفراجة النووية” قد تكون المسمار الأخير في نعش الأسعار المرتفعة، مما يمهد الطريق لفترة من التراجع السعري. في المقابل، يظل شبح “المواجهة العسكرية” هو الداعم الوحيد المتبقي للمراهنين على ارتفاع الأسعار، وهو ما يجعل من نتائج محادثات جنيف المقررة غداً الحدث الأهم للأجندة الاقتصادية العالمية.
اقرأ أيضا…


