التضخم في الولايات المتحدة: هل تمنح أرقام يناير الضوء الأخضر للاحتياطي الفيدرالي لتثبيت الفائدة؟

شهدت معدلات التضخم في الولايات المتحدة تباطؤاً ملحوظاً في نموها السنوي خلال شهر يناير الماضي، مما يعطي انطباعاً أولياً ببدء انحسار الضغوط السعرية. ومع ذلك، فإن ثبات التضخم “الأساسي” واستقرار سوق العمل يضعان بنك الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات استراتيجية معقدة. هذه المعطيات المتشابكة تعزز التوقعات السائدة في الأسواق المالية بأن صناع السياسة النقدية سيفضلون التريث والإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في المدى القريب، ريثما تتضح الصورة بشكل كامل حول استدامة هذا الهبوط.
مؤشر أسعار المستهلكين في يناير
أظهرت البيانات الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل بوزارة العمل الأمريكية يوم الجمعة، أن مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) سجل ارتفاعاً بنسبة 0.2% الشهر الماضي، وذلك بعد زيادة بلغت 0.3% في ديسمبر. وتأتي هذه الأرقام دون توقعات المحللين الذين استطلعت وكالة “رويترز” آراءهم، حيث كانت تشير التقديرات إلى زيادة بنسبة 0.3%، مما يشير إلى أن وتيرة ارتفاع التكاليف اليومية للمستهلكين كانت أقل حدة مما كان يخشاه البعض.
وعلى أساس سنوي، ارتفع التضخم بنسبة 2.4% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يناير، مسجلاً تباطؤاً ملموساً من نسبة 2.7% المسجلة في ديسمبر. ويُعزى هذا التباطؤ في المعدل السنوي بشكل كبير إلى ما يعرف بـ “تأثير سنة الأساس”، حيث خرجت القراءات السعرية المرتفعة التي سجلت في أوائل العام الماضي من الحسابات الإحصائية السنوية، مما ساهم في خفض الرقم النهائي رغم استمرار الزيادات الشهرية الطفيفة.
التضخم الأساسي و”تأثير مطلع العام”
على الرغم من التباطؤ في المؤشر العام، إلا أن التضخم الأساسي (الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة نظراً لتأثرها بعوامل جيوسياسية ومناخية) شهد ارتفاعاً بنسبة 0.3% في يناير، مقابل 0.2% في ديسمبر. وارتفع المؤشر الأساسي سنوياً بنسبة 2.5%، مما يثبت أن الضغوط التضخمية لا تزال متجذرة في قطاعات الخدمات والسلع الأساسية.
ويشير المحللون الاقتصاديون إلى ظاهرة “تعديلات مطلع العام”، وهي ممارسة شائعة حيث تعمد الشركات والمؤسسات الخدمية إلى مراجعة قوائم أسعارها ورفعها في شهر يناير تزامناً مع الميزانيات الجديدة. كما تلعب “عوامل التعديل الموسمي” التي يعتمدها مكتب إحصاءات العمل دوراً محورياً؛ إذ تهدف هذه النماذج الرياضية إلى تجريد البيانات من التقلبات الاعتيادية، لكنها قد لا تستوعب بشكل كامل الزيادات السعرية المفاجئة أو “القفزات” التي تحدث لمرة واحدة في بداية العام، وهو ما يفسر ميل التضخم الأساسي لتجاوز التوقعات في شهر يناير من كل عام تاريخياً.
العوامل المؤثرة على مسار التضخم في 2025
هناك عدة متغيرات جوهرية تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي وتزيد من تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي:
- الرسوم الجمركية والضغوط التجارية: يظهر التقرير بوادر أولية لانتقال تكلفة الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها الإدارة الأمريكية إلى المستهلك النهائي. هذا “التمرير السعري” يعني أن المستوردين، لمواجهة التكاليف الإضافية، بدأوا بالفعل في رفع أسعار السلع، مما ساهم في تعزيز مستويات الأسعار الأساسية وربما يحد من قدرة التضخم على الهبوط السريع نحو المستهدفات.
- انخفاض قيمة الدولار: انخفض مؤشر الدولار المرجح بالتجارة بنحو 7.4% العام الماضي. هذا الضعف في العملة الوطنية يجعل السلع المستوردة أكثر تكلفة بالنسبة للأمريكيين، مما يؤدي إلى “تضخم مستورد” يغذي الضغوط السعرية المحلية، خاصة في قطاعي التصنيع والسلع الاستهلاكية المعمرة.
- سوق العمل المتين: مع انخفاض معدل البطالة إلى 4.3% وتسارع نمو الوظائف، لا يزال الاقتصاد يظهر متانة استثنائية. هذه القوة في سوق العمل تعني استمرار نمو الأجور والقدرة الشرائية، وهو ما يمنح الفيدرالي “وسادة أمان” تمكنه من الحفاظ على سياسة نقدية متشددة دون الخوف من وقوع الاقتصاد في ركود وشيك، مما يعني عدم التسرع في خفض الفائدة.
مستقبل السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي
يبقي الاحتياطي الفيدرالي حالياً على سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50% – 3.75%. ومع استمرار مقاييس التضخم (بما في ذلك مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE الذي يراقبه البنك بدقة) فوق مستهدف الـ 2%، فإن البيانات الحالية تشير إلى احتمالية استقرار معدلات الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق.
ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يشهد التضخم تذبذباً أو ربما انتعاشاً مؤقتاً في وقت لاحق من هذا العام. إن التفاعل بين الرسوم الجمركية، وضعف الدولار، واستقرار الطلب المحلي، يشكل مثلثاً من الضغوط التي قد تجعل الوصول إلى هدف الـ 2% رحلة أطول وأكثر صعوبة، مما يفرض على المستثمرين والمستهلكين التكيف مع بيئة “فائدة مرتفعة لفترة أطول”.
اقرأ أيضا…



