تقرير الفيدرالي: الأمريكيون يتحملون 90% من تكلفة الرسوم الجمركية لترامب

تتصدر الرسوم الجمركية الأمريكية المشهد الاقتصادي العالمي كأداة ضغط سياسية واقتصادية بالغة التأثير، إلا أن تقريراً حديثاً وصادماً صدر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك (NY Fed) ألقى الضوء على “الجانب الخفي” لهذه السياسة. حيث أكد التقرير بالأرقام أن العبء الأكبر لهذه الضرائب لا يقع، كما هو مشاع، على عاتق الدول المصدرة، بل يرتد مباشرة على كاهل المستهلك النهائي والشركات الإنتاجية داخل الولايات المتحدة، مما يغير خارطة التوازنات الاقتصادية المحلية.
من يدفع ثمن الحرب التجارية؟ تحليل بيانات الفيدرالي
وفقاً للتقرير الشامل الصادر يوم الخميس 12 فبراير 2026، فإن نحو 90% من تكاليف الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على السلع المستوردة يتحملها الجانب الأمريكي بوضوح. هذا البحث، الذي أشرف عليه نخبة من كبار الاقتصاديين في قسم الأبحاث والإحصاء بفيدرالي نيويورك، ومن بينهم الباحثون جيسون أبل (Jaison Abel) وريتشارد ديتز (Richard Deitz)، يمثل ضربة قوية للرواية الرسمية التي تروج لفكرة أن هذه التعريفات هي بمثابة “عقوبات مالية” يسددها المصدرون الأجانب للخزانة الأمريكية كضريبة لدخول السوق.
النقاط التحليلية في تقرير الاحتياطي الفيدرالي:
- آلية تمرير التكاليف (Pass-through): توصل الباحثون إلى استنتاج حاسم مفاده أن المصدرين الأجانب لم يلجأوا لخفض أسعار بيعهم الأساسية لامتصاص الضرائب الجديدة أو الحفاظ على تنافسيتهم. وبدلاً من ذلك، حدث “تمرير كامل” للتكلفة، مما أدى إلى ارتفاع فوري في أسعار الاستيراد عند الحدود، لتصبح السلع المستوردة أغلى ثمناً بمجرد دخولها الموانئ الأمريكية.
- التذبذب التاريخي للعبء الضريبي: كشفت البيانات أن نسبة التحمل الأمريكي لم تكن ثابتة؛ فقد بلغت ذروتها بين يناير وأغسطس من العام الماضي لتصل إلى 94%. وعلى الرغم من تراجعها الطفيف لتستقر عند 86% في نوفمبر الماضي، إلا أن هذا التراجع لم يكن نتيجة انخفاض التكاليف، بل بسبب محاولات يائسة من بعض الشركات لتنويع سلاسل الإمداد أو تقليص هوامش الربح لتجنب خسارة العملاء.
- قفزات التعريفات الجمركية: شهد العام الماضي تحولاً جذرياً في السياسة الضريبية، حيث قفز متوسط الرسوم من مستوى متدنٍ قدره 2.6% إلى مستويات قياسية لامست 13%. وفي ذروة التوترات التجارية، وصلت الرسوم على سلع حيوية مستوردة من الصين إلى 125%، قبل أن يتم تعديلها لاحقاً لتبقى عند مستويات مرتفعة جداً تبلغ 113%.
تقرير مكتب الميزانية بالكونجرس (CBO) يعزز النتائج
لم تكن استنتاجات الفيدرالي مجرد وجهة نظر منفردة، بل جاءت متناغمة مع تقرير مكتب الميزانية بالكونجرس الذي فصّل كيفية توزيع هذه الأعباء. وأشار المكتب إلى أن الشركات الأمريكية باتت في وضع لا تحسد عليه؛ فهي تضطر لخفض هوامش أرباحها بنسبة 30% لامتصاص الصدمة وحماية حصتها السوقية. أما الـ 70% المتبقية من الزيادة السعرية، فيتم تمريرها مباشرة إلى المواطن عبر رفع أسعار السلع الاستهلاكية، من الأدوات المنزلية وصولاً إلى المواد الخام الصناعية.
أثر الرسوم الجمركية على التضخم والسياسة النقدية
تسببت هذه الضغوط السعرية في تعقيد حسابات الاحتياطي الفيدرالي بشكل كبير، حيث حالت دون تحقيق مستهدف التضخم البالغ 2% بسهولة. ويرى صانعو السياسة أن الارتفاع المفاجئ في تكاليف الاستيراد لم يكن مجرد تقلب عابر، بل تحول إلى زيادة هيكلية في تكلفة المعيشة في أمريكا.
- تحديات أسعار الفائدة: الارتفاع المستمر في أسعار السلع بسبب الرسوم قيّد يد الفيدرالي، مما جعل من الصعب الاستمرار في خفض أسعار الفائدة بالوتيرة المطلوبة لدعم سوق العمل، خوفاً من اشتعال التضخم مجدداً.
- تآكل القوة الشرائية: رغم الآمال بأن يكون أثر الرسوم مؤقتاً ويتلاشى خلال عام 2026، إلا أن الواقع يشير إلى أن المستهلكين، وخاصة الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، هم الأكثر تضرراً، حيث تستنزف هذه الزيادات جزءاً كبيراً من دخلهم المتاح للإنفاق.
التحديات القانونية والسياسية: هل تتراجع التعريفات؟
تواجه هذه السياسة “الحمائية” مقاومة متزايدة على جبهات متعددة:
- الضغط التشريعي: تعكس خطوة مجلس النواب بإلغاء “رسوم الطوارئ” على كندا تزايد القلق من تضرر سلاسل التوريد المتكاملة في أمريكا الشمالية.
- المسار القضائي: تترقب الأوساط الاقتصادية بتركيز عالٍ حكم المحكمة العليا، الذي قد يضع حداً لقدرة السلطة التنفيذية على فرض رسوم واسعة النطاق تحت ذريعة “الأمن القومي” أو “الطوارئ الاقتصادية”.
تظل الرسوم الجمركية لترامب أداة سياسية بامتياز، لكن ثمنها الاقتصادي باهظ. فبينما تنجح في رفد الخزانة الأمريكية بإيرادات ضخمة، إلا أنها تتحول فعلياً إلى “ضريبة خفية” على الاستهلاك المحلي. إن التحليل المعمق للبيانات يثبت أن السعي وراء “الاستقلال الاقتصادي” عبر بوابة الحمائية الجمركية يمر حتماً عبر جيوب المواطنين، مما يضعف التنافسية الكلية للاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.
اقرأ أيضا…



