أسعار الذهب تتراجع تحت ضغط بيانات الوظائف الأمريكية

شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تداولات اليوم الخميس، متأثرة بصدور حزمة من البيانات الاقتصادية الأمريكية التي فاقت التوقعات الأكثر تفاؤلاً. هذا المشهد الاقتصادي المفاجئ أدى إلى إعادة رسم خارطة التوقعات والرهانات بشأن السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، مما دفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم المالية في الملاذات الآمنة.
بيانات الوظائف الأمريكية تصفع التوقعات
جاءت بيانات سوق العمل الأمريكي لشهر يناير لتكشف عن مرونة وصلابة غير متوقعة في هيكل الاقتصاد الأكبر عالمياً، مجهضةً الآمال التي كانت تعول على تهدئة محمومة في وتيرة النمو. حيث نجح الاقتصاد في إضافة نحو 130 ألف وظيفة جديدة في القطاعات غير الزراعية، وهو رقم يمثل طفرة نوعية مقارنة بتوقعات المحللين التي كانت تتأرجح حول مستوى 70 ألف وظيفة فقط.
ولم يتوقف الأمر عند عدد الوظائف؛ بل امتد التأثير ليشمل معدل البطالة الذي انخفض إلى 4.3%، وهو ما يعكس حالة من “التشغيل الكامل” التي تمنح “الصقور” داخل مجلس الفيدرالي ذريعة قوية للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول. إن استمرار قوة سوق العمل يعني استمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن الأجور، وهو ما يجعل البنك المركزي في وضع لا يسمح له بالمغامرة بخفض الفائدة في وقت قريب.
أداء الذهب والمعادن الثمينة اليوم
وفقاً لبيانات السوق اللحظية التي تعكس حالة القلق والحذر بين المتداولين، سجلت الأرقام التالية:
- السعر الفوري للذهب: انخفض بنسبة 0.3% ليصل إلى 5,064.90 دولار للأونصة، متنازلاً عن مستويات دعم فنية هامة كان قد حافظ عليها خلال الأسبوع الماضي.
- العقود الأمريكية الآجلة (تسليم أبريل): تراجعت بنسبة 0.2% لتستقر عند 5,086.30 دولار، مما يشير إلى توقعات المستثمرين باستمرار الضغوط الهبوطية في الأمد القصير.
- المعادن الأخرى: لم تكن الفضة بمنأى عن هذه التراجعات، حيث فقدت 0.5% من قيمتها لتصل إلى 83.59 دولار للأونصة، في حركة تصحيحية بعد موجة صعود قوية بلغت 4% يوم أمس. كما شهد البلاتين تراجعاً بنسبة 0.7%، بينما خالف البالاديوم الاتجاه العام بصعود طفيف بنسبة 0.7%.
العلاقة بين الدولار و “المعدن الأصفر”
ساهم الارتفاع الملحوظ في مؤشر الدولار (DXY) في زيادة حدة الضغوط البيعية على الذهب. فمن الناحية الاقتصادية، تعمل قوة العملة الأمريكية كحاجز أمام المشترين الدوليين، حيث تجعل المعادن المسعرة بالدولار أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، مما يؤدي تلقائياً إلى تقلص الطلب العالمي.
ويشير “أولي هانسن”، رئيس استراتيجية السلع في سيكسو بنك، إلى أن السوق يشهد حالة من “العودة إلى الواقع”؛ حيث تعكس البيانات الحالية درجة من الاستقرار النسبي الذي أعقب فترة التقلبات الحادة. ويرى هانسن أن توقيت هذه البيانات يتزامن مع اقتراب عطلة رأس السنة القمرية الجديدة في الصين، وهي فترة تشهد عادةً هدوءاً في النشاط التجاري، مما قد يساهم في خفض مستويات السيولة العالمية وتقليص الشهية للمخاطرة، وهو ما قد يترك الذهب دون “محركات شرائية” قوية في الأيام المقبلة.
التحليل الفني والتوقعات المستقبلية لأسعار الذهب
تعتبر “تكلفة الفرصة البديلة” هي المحرك الجوهري في هذه المعادلة؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يعزز من جاذبية الأصول ذات العائد الثابت، مثل سندات الخزانة الأمريكية، التي أصبحت توفر عوائد مجزية ومضمونة، وذلك على حساب الذهب الذي لا يوفر عائداً دورياً، بل يعتمد ربحه فقط على الارتفاع السعري.
محطات مرتقبة ستحدد مسار السوق:
- تقرير طلبات الإعانة الأسبوعية: يترقبه المستثمرون اليوم كمؤشر تأكيدي على قوة أو ضعف سوق العمل، فإذا جاءت الأرقام منخفضة مرة أخرى، فقد نشهد موجة بيع جديدة على الذهب.
- بيانات تضخم المستهلكين (CPI) يوم الجمعة: تعتبر هذه البيانات هي المحك الحقيقي والمحدد النهائي لقرار الفيدرالي في اجتماعه القادم. ويؤكد “زين فودا”، المحلل في MarketPulse، أن الأسواق تترقب هذا الرقم بحذر شديد؛ فإذا جاء التضخم أعلى من المتوقع، سيتبخر أي أمل متبقٍ في خفض الفائدة قريباً، وقد نرى أسعار الذهب تهوي لاختبار مستويات الدعم النفسي الحرجة ما دون حاجز الـ 5,000 دولار للأونصة.
ختاما يبقى الذهب في الوعي الاستثماري العربي هو الملاذ الآمن والتحوط الأمثل ضد التضخم، إلا أن التحولات الراهنة في الاقتصاد الأمريكي تستوجب نوعاً من الحذر والترقب. إن المعادلة الحالية واضحة: سوق عمل قوي يساوي تضخماً عنيداً، مما يعني بالضرورة تأجيل قرارات التيسير النقدي. وهذا الوضع يضع سقفاً تقنياً ونفسياً أمام أي تحركات صعودية كبرى للذهب في المدى القريب، مما يفتح الباب أمام احتمالات تداول عرضي يميل إلى الهبوط حتى تظهر بوادر تغيير في السياسة الأمريكية.
اقرأ أيضا…



