جيفري شميد يحذر: السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي يجب أن تظل مشددة لكبح التضخم
في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية أي إشارة نحو تخفيف القيود المالية، أطلق “جيفري شميد”، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، تصريحات حذرة تعيد صياغة المشهد الحالي حول السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي. وأكد شميد أن الوقت لم يحن بعد للرهان على طفرة “الإنتاجية” أو أدوات “الذكاء الاصطناعي” كبديل عن الإبقاء على معدلات الفائدة المرتفعة لمواجهة التضخم المستمر، محذراً من أن التفاؤل المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية على استقرار الأسعار.
اختلال التوازن الهيكلي بين العرض والطلب
في كلمته المفصلة أمام منتدى اقتصادي في “ألباكركي” بنيو مكسيكو، أوضح شميد أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يعاني من حالة “سخونة” واضحة في معدلات التضخم، حيث يرى أن الطلب الاستهلاكي والاستثماري لا يزال يتجاوز القدرات العرضية في معظم قطاعات الاقتصاد. هذا الاختلال لا يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل هو ضغط هيكلي يفرض مساراً تصاعدياً على الأسعار.
وأشار شميد إلى أن أي خفض مبكر في أسعار الفائدة في ظل هذه الظروف سيعتبر بمثابة “صب الزيت على النار”، حيث سيحفز الطلب بشكل إضافي قبل أن يتمكن العرض من اللحاق به، مما يؤدي إلى ترسيخ التضخم لفترات أطول ويجعل علاجه مستقبلاً أكثر كلفة وألماً على الصعيد الاقتصادي.
هل ينقذ الذكاء الاصطناعي الموقف؟ تحليل عميق للإنتاجية
بينما يتبنى فريق من الاقتصاديين والسياسيين، ومن بينهم مرشح رئاسة الفيدرالي “كيفن وارش”، رؤية متفائلة تشير إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستقود “ثورة إنتاجية” تسمح بنمو اقتصادي سريع دون توليد تضخم، قدم شميد تحليلاً أكثر تحفظاً وواقعية.
تفصيل رؤية شميد حول ديناميكيات الإنتاجية:
- فجوة التنفيذ الزمنية: يرى شميد أن الفوائد الاقتصادية الكلية للتكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى سنوات لتظهر في البيانات الرسمية. إن الرهان على “وعود مستقبلية” لتبرير قرارات نقدية حالية هو مخاطرة كبرى برأيه، مؤكداً “أننا لم نصل إلى تلك المرحلة من التحول الهيكلي بعد”.
- تفكيك مصادر النمو الأخير: جادل شميد بأن التحسن الملحوظ في أرقام الإنتاجية مؤخراً قد لا يكون نتاج ابتكارات تقنية، بل هو نتيجة طبيعية لاستقرار سوق العمل. فبعد سنوات من “الاضطراب العظيم” الذي أعقب جائحة كورونا، بدأ العمال في البقاء لفترات أطول في وظائفهم، مما أدى إلى تراكم الخبرات العملية وتحسين الكفاءة التشغيلية داخل المؤسسات.
- مخاطر استدامة الإنتاجية: وصف شميد سوق العمل الحالي بأنه يمر بمرحلة “انخفاض التوظيف، انخفاض التسريح، وانخفاض الاستقالات”. وبينما يقلل هذا الركود في “دوران العمالة” من تكاليف التدريب ويزيد الإنتاجية مؤقتاً، فإنه ليس من الواضح ما إذا كان هذا النمط سيمثل محركاً دائماً للنمو الاقتصادي بعيداً عن ضغوط الأجور.
السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي: ضرورة الاستمرار في “منطقة التقييد”
بناءً على هذا التحليل، يشدد شميد على أن السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي يجب أن تظل في منطقة “التشدد” (Restrictive Territory). والهدف من ذلك هو الحفاظ على تكاليف اقتراض مرتفعة بما يكفي لتهدئة الرغبة في الإنفاق الرأسمالي والاستهلاكي، مما يسمح للفجوة بين العرض والطلب بأن تتقلص تدريجياً.
وقد اكتسبت هذه الرؤية ثقلاً إضافياً بعد صدور بيانات الوظائف لشهر يناير، والتي جاءت أقوى بكثير من التوقعات، مما يشير إلى أن سوق العمل لا يزال قادراً على تحمل ضغوط الفائدة الحالية، وبالتالي لا يوجد مبرر “عاجل” للبدء في دورة التيسير النقدي قبل اجتماع يونيو على أقرب تقدير.
وتنتظر الأسواق العالمية بحذر بيانات التضخم الجديدة المقرر صدورها يوم الجمعة، حيث ستكون هذه الأرقام بمثابة الاختبار الحقيقي لرؤية شميد. الانقسام الحالي داخل الاحتياطي الفيدرالي يعكس صراعاً بين جبهتين: جبهة ترى في قوة الاقتصاد فرصة لخفض الفائدة (مدفوعة بضغوط سياسية من إدارة ترامب)، وجبهة “الصقور” التي يمثلها شميد، والتي تخشى من أن التسرع في التيسير سيؤدي إلى موجة تضخمية ثانية قد تطيح بكل ما حققه الفيدرالي في السنتين الماضيتين.
وتظل السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي في مرحلة “المراقبة اللصيقة”. ورسالة شميد الجوهرية للأسواق والمستثمرين هي ضرورة التخلي عن الأوهام حول حلول تكنولوجية سريعة لأزمة التضخم؛ فالتحديات الاقتصادية الحالية تتطلب انضباطاً نقدياً صارماً، وستظل أسعار الفائدة المرتفعة هي الأداة الأكثر موثوقية حتى يثبت العكس بالأرقام والوقائع لا بالتوقعات.
اقرأ أيضا…



