مبيعات التجزئة الأمريكية تشهد استقرارا مفاجئا في ديسمبر

شهدت مبيعات التجزئة الأمريكية حالة من الاستقرار الملحوظ خلال شهر ديسمبر الماضي، في خطوة خالفت توقعات المحللين الذين كانوا يعولون على نمو قوي يتوج موسم الأعياد. وتعكس هذه البيانات حالة من الترقب والحذر لدى المستهلك الأمريكي في ظل مشهد اقتصادي معقد يتسم بتغيرات هيكلية في السياسات التجارية والمالية، مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الإنفاق الخاص على الاستمرار كمحرك رئيسي للنمو في عام 2026.
أداء مبيعات التجزئة الأمريكية في أرقام
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة الأمريكية يوم الثلاثاء، استقرت المبيعات الإجمالية عند مستوى 735 مليار دولار، دون تغيير يذكر عن مستويات شهر نوفمبر المعدلة. ويأتي هذا الثبات المخيب لآمال الأسواق بعد نمو واعد بنسبة 0.6% في نوفمبر، حيث كان الخبراء الاقتصاديون في استطلاع “وول ستريت جورنال” يتطلعون إلى زيادة لا تقل عن 0.4% لتعزيز الثقة في مرونة الاقتصاد.
وعلى الرغم من هذا السكون في وتيرة النمو بنهاية العام، إلا أن الصورة الكلية لعام 2025 تظل تعكس أداءً قوياً نسبياً، حيث حقق إجمالي المبيعات السنوية نمواً تراكمياً بنسبة 3.7%. هذا النمو السنوي يشير إلى أن المستهلك لم يتوقف عن الإنفاق تماماً، بل بدأ في إعادة ترتيب أولوياته الشرائية بشكل أكثر صرامة.
تحليل القطاعات: صراع بين السلع الكمالية والضروريات
لم يكن استقرار المؤشر العام نتاجاً لركود شامل، بل كان انعكاساً لمعادلة موازنة دقيقة بين قطاعات رابحة وأخرى خاسرة، مما يظهر بوضوح تغير سلوك المستهلك:
- القطاعات المتراجعة (الضغط الائتماني): تصدر وكلاء السيارات، ومتاجر الأثاث، ومحلات الإلكترونيات قائمة التراجعات. ويعزو المحللون ذلك إلى حساسية هذه القطاعات لأسعار الفائدة المرتفعة وطول أمد دورة استبدال السلع المعمرة، حيث يميل المستهلكون لتأجيل المشتريات الكبرى عند الشعور بعدم اليقين الاقتصادي.
- القطاعات المتصدرة (الإنفاق الدفاعي): في المقابل، نجحت متاجر مواد البناء، والأغذية والمشروبات، ومحطات الوقود في تسجيل نمو عوض خسائر القطاعات الأخرى. هذا يعكس “الإنفاق الضروري”؛ فالمستهلكون لا يزالون يوجهون سيولتهم نحو السلع الاستهلاكية الأساسية وصيانة المساكن، وهو نمط إنفاق دفاعي تقليدي يظهر عادة عند توقع حدوث تقلبات اقتصادية.
محركات الاقتصاد الأمريكي في ميزان 2026
لطالما كان الإنفاق الاستهلاكي هو “الدرع الواقي” والعمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، حيث ساهم في عزل البلاد عن الهزات العنيفة التي نتجت عن التحولات الجذرية في سياسات التجارة الدولية وقوانين الهجرة خلال العام المنصرم. وبشكل مثير للإعجاب، لم تنجح مستويات التضخم القياسية التي شهدها العقد الحالي في كسر إرادة المستهلك الأمريكي، الذي استمر في الإنفاق مدفوعاً بمدخرات تراكمت من طفرة ما بعد الجائحة وبدعم من سوق الأسهم الذي سجل مستويات قياسية في 2025.
ومع ذلك، تبرز في الأفق بوادر قلق مع مطلع عام 2026. فالتذبذبات الحادة في الأسواق المالية مؤخراً بدأت في تقليص “أثر الثروة” لدى المتسوقين الأكثر ثراءً، وهم الفئة التي كانت تساهم بشكل كبير في دفع مبيعات التجزئة الفاخرة والسلع غير الضرورية.
سوق العمل: الاختبار الحقيقي والقادم
يرى خبراء الاقتصاد أن التهديد الوجودي الوحيد لاستدامة نمو مبيعات التجزئة الأمريكية لا يتمثل في الأسعار المرتفعة فحسب، بل في أي تدهور محتمل في سوق العمل. فاليقين الوظيفي هو المحرك الخفي وراء ثقة المستهلك؛ فالموظف الذي يشعر بالأمان في دخله الشهري يستمر في الإنفاق حتى مع غلاء المعيشة.
بينما يترقب الجميع صدور تقرير الوظائف لشهر يناير من وزارة العمل – بعد تأخير تقني ناتج عن الإغلاق الحكومي القصير – لا تزال التوقعات تميل نحو التفاؤل الحذر. يتوقع الاقتصاديون استقرار معدلات البطالة ونمو مطرد، ولكن أي مفاجأة سلبية في هذا التقرير قد تعني أن “الاستقرار” الحالي في المبيعات ليس سوى مرحلة انتقالية تسبق انكماشاً أعمق في الدورة الاقتصادية، مما يضع بنك الاحتياطي الفيدرالي وصانعي السياسة المالية في اختبار عسير لإعادة التوازن للأسواق.
اقرأ أيضا…



