زلزال في سوق الكريبتو: كيف تسبب خطأ بشري في توزيع 40 مليار دولار من البيتكوين؟

تعد أسواق العملات الرقمية ساحة خصبة للتقلبات الحادة والمفاجآت، لكن ما شهدته منصة “بيثامب” (Bithumb) الكورية الجنوبية مؤخراً يتجاوز حدود الخيال الاقتصادي والمنطق المؤسسي. فبسبب خطأ تقني وبشري بسيط في إدخال البيانات، تحولت حملة ترويجية متواضعة، كان من المفترض أن تكون مجرد أداة لجذب المستخدمين الجدد، إلى كارثة مالية كادت تعصف باستقرار عملة البيتكوين في واحدة من أهم الأسواق الآسيوية، بعد توزيع عملات بقيمة هائلة وصلت إلى 40 مليار دولار عن طريق الخطأ المحض.
تفاصيل “الخطأ الملياري”: من ثمن قهوة إلى ثروات طائلة تتجاوز الأحلام
بدأت فصول هذه القصة الدرامية كحملة ترويجية اعتيادية أطلقتها منصة “بيثامب”، التي تحتل المركز الثاني كأكبر بورصة للعملات المشفرة في كوريا الجنوبية. كان المخطط يهدف لتوزيع جوائز نقدية بسيطة بالعملة المحلية (الوون الكوري) يبلغ مجموعها الإجمالي حوالي 620 ألف وون، وهو مبلغ زهيد لا يتجاوز 425 دولاراً أمريكياً، ويهدف لتنشيط حركة التداول بين صغار المستثمرين.
لكن، وفي لحظة من غياب الرقابة المؤسسية، وقع المحظور؛ حيث قام موظف المسؤول عن توزيع الجوائز بإدخال كمية المكافأة بالعملة الخاطئة تماماً. فبدلاً من إرسال القيمة بالوون، تدفقت إلى محافظ الفائزين 620 ألف وحدة كاملة من عملة البيتكوين. هذا الخطأ الإجرائي حوّل حياة المتسابقين في ثوانٍ معدودة؛ فالمستثمر الذي كان يترقب مكافأة رمزية بقيمة 2000 وون (حوالي 1.5 دولار)، وهي قيمة تكفي بالكاد لشراء كوب قهوة رخيص، وجد في محفظته الرقمية فجأة ما يزيد عن 120 مليون دولار من البيتكوين، مما خلق حالة من الصدمة والارتباك في أوساط المستخدمين والمنصة على حد سواء.
تداعيات الأزمة على سعر البيتكوين والانهيار الخاطف في الأسواق المحلية
لم تظل هذه الثروات “الافتراضية” حبيسة المحافظ لفترة طويلة؛ فبمجرد إدراك المستخدمين لحجم المبالغ المودعة، اندفعت موجة جنونية من محاولات البيع الفوري أو سحب الأصول إلى محافظ خارجية قبل اكتشاف الخطأ. أدى هذا الضغط البيعي الهائل وغير المسبوق في نافذة زمنية ضيقة جداً إلى حدوث اختلال حاد في ميزان العرض والطلب، مما تسبب في انخفاض سعر البيتكوين بنسبة 17% في السوق الكورية مقارنة بالأسواق العالمية، في ظاهرة تُعرف اقتصادياً بـ “الانهيار الخاطف” (Flash Crash). واستمرت هذه الفوضى لمدة 30 دقيقة تقريباً قبل أن تتمكن المنصة من تجميد العمليات وتعليق التداولات بشكل كامل.
ولم يقتصر الضرر على المنصة فحسب، بل امتد ليشمل المستثمرين “الأبرياء” الذين كانوا يمتلكون عملة البيتكوين في محافظهم قبل وقوع هذا الخطأ. فبسبب الهبوط الحاد والمفاجئ في السعر المحلي، تعرض الكثيرون لعمليات تصفية تلقائية لمراكزهم المالية أو ذعروا وقاموا بالبيع بأسعار متدنية جداً. وتقدر المنصة أن الخسائر الإجمالية المباشرة الناتجة عن هذا التذبذب العنيف وصلت إلى حوالي 685 ألف دولار، وهي مبالغ تعهدت المنصة لاحقاً بمعالجتها.
استعادة الأموال ومعضلة “العملات الشبحية” والخلل الهيكلي
بعد الاستفاقة من الصدمة، أطلقت “بيثامب” عملية طوارئ تقنية لاستعادة الأصول. وأعلنت المنصة أنها نجحت بالفعل في استرداد أو إلغاء معاملات أكثر من 99% من العملات التي وُزعت بالخطأ، مستفيدة من تعاون بعض المستخدمين ومن الثغرات القانونية التي تمنع “الإثراء بلا سبب”. ومع ذلك، لا تزال هناك معضلة قائمة؛ حيث تمكن بعض المتداولين الأذكياء من تسييل ما يزيد عن 100 وحدة من البيتكوين (بقيمة تقارب 9 ملايين دولار) وتحويلها إلى أصول أخرى أو سحبها خارج المنصة خلال تلك الدقائق الذهبية.
هذا الحادث فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات رقابية كبرى حول أمان الأنظمة. فقد أشار المشرعون في سيول بذهول إلى قضية “العملات الشبحية”؛ فكيف سمح النظام التقني للمنصة بتوزيع 620 ألف وحدة بيتكوين في حين أن مخزونها الفعلي من العملة لا يتجاوز 50 ألف وحدة؟ هذا التباين الصارخ يكشف عن فجوة أمنية مرعبة، حيث تداول النظام أرقاماً برمجية لا يقابلها غطاء حقيقي من الأصول المشفرة في “الخزائن الباردة” للمنصة، مما يضرب مصداقية الشفافية المالية في الصميم.
التحقيقات الرسمية ومستقبل الرقابة التنظيمية في كوريا الجنوبية
استجابة لهذا الإخفاق، سارع المنظمون الماليون في كوريا الجنوبية لفتح تحقيق موسع وشامل مع “بيثامب”. ومن المتوقع أن تواجه المنصة عقوبات قاسية، لا تقتصر على الغرامات المالية المليونية، بل قد تمتد لتصل إلى تعليق ترخيص التداول أو فرض قيود صارمة على عملياتها الترويجية. وقد وصف الخبراء القانونيون، ومن بينهم البروفيسور “لي جونغ سو”، الواقعة بأنها “انهيار كارثي للضوابط الداخلية”، مؤكدين أن وجود أنظمة تكنولوجية بهذه الهشاشة في واحدة من أكبر منصات العالم يعد أمراً غير مقبول في بيئة مالية حديثة.
وفي محاولة يائسة لاستعادة ثقة الجمهور المنهارة، اتخذت “بيثامب” خطوات استباقية شملت:
- صياغة آلية لتعويض المستثمرين الذين تكبدوا خسائر حقيقية نتيجة الانزلاق السعري المفاجئ.
- تقديم “فترة سماح” بدون رسوم تداول كنوع من الاعتذار لعملائها.
- الإعلان عن تأسيس “صندوق حماية العملاء” الدائم برأس مال أولي قدره 70 مليون دولار، ليكون بمثابة وسادة أمان مالية في حال تكرار مثل هذه الحوادث التقنية أو البشرية.
في النهاية تظل واقعة “بيثامب” بمثابة جرس إنذار صاخب لمجتمع الكريبتو العالمي. فهي تثبت أن سوق البيتكوين، رغم تطوره التقني، لا يزال رهينة لأخطاء بشرية بدائية وثغرات في أنظمة الرقابة الداخلية للمنصات المركزية. بالنسبة للمستثمر العربي الطامح لدخول هذا المجال، فإن الدرس المستفاد هو ضرورة توخي الحذر الشديد وعدم الانجراف خلف المنصات التي تفتقر للشفافية المطلقة في إدارة احتياطياتها، حيث أثبتت التجربة أن “كبسة زر” خاطئة قد تهدد مليارات الدولارات في لحظات.
اقرأ أيضا…



