أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تتراجع تحت وطأة الصراع بين وفرة الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية

شهدت أسعار النفط تراجعاً طفيفاً خلال تداولات يوم الثلاثاء، في انعكاس لحالة من التقييم الدقيق الذي يجريه المستثمرون والمضاربون لمخاطر تعطل الإمدادات الفعلية مقابل المؤشرات التي تؤكد وفرة المعروض العالمي. يأتي هذا الهدوء النسبي بعد موجة من القلق والضجيج الإعلامي الذي أثارته التوجيهات الأمنية الأمريكية الأخيرة للسفن التجارية المارة عبر مضيق هرمز. هذه التحذيرات لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل أعادت وضع التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران في قلب اهتمامات الأسواق، مما جعل المتداولين يتأرجحون بين الرغبة في التحوط والمخاوف من تباطؤ الطلب.

أسعار النفط اليوم: قراءة تحليلية في الأرقام

على صعيد التداولات الميدانية، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 24 سنتاً، أو ما يعادل 0.35%، لتستقر عند مستوى 68.80 دولاراً للبرميل. وفي سياق متصل، انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بمقدار 30 سنتاً، بنسبة 0.47%، ليصل إلى 64.06 دولاراً.

ويعكس هذا التراجع حالة من “الترقب الهيكلي”؛ حيث يرى المحللون أن السوق حالياً يتحرك ضمن “نطاق عرضي” محدود. هذا النطاق محاصر بين مطرقة الضغوط الجيوسياسية التي تفرض “علاوة مخاطر” (Risk Premium) وتدفع الأسعار للأعلى، وسندان الحقائق الاقتصادية التي تشير إلى نمو في الإنتاج من خارج منظمة أوبك، وهو ما يضغط على الأسعار للأسفل ويمنعها من الانفلات نحو مستويات قياسية.

مضيق هرمز الشريان الحيوي وعنق الزجاجة للطاقة

تكتسب أسعار النفط حساسيتها المفرطة من أي اضطراب في مضيق هرمز، الذي يعد الممر المائي الأهم في العالم، حيث يعبر من خلاله نحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يومياً. التوجيهات الأخيرة الصادرة عن الإدارة البحرية بوزارة النقل الأمريكية لم تكن مجرد نصائح تقنية، بل حملت رسائل سياسية قوية بدعوة السفن التي تحمل العلم الأمريكي للابتعاد عن المياه الإقليمية الإيرانية ورفض الصعود على متنها.

هذا المشهد أعاد للأذهان سيناريوهات تعطل سلاسل الإمداد من كبار المنتجين في “أوبك” مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على هذا الممر لتصدير خامهم إلى الأسواق الآسيوية المتعطشة. أي انسداد أو مضايقات في هذا المضيق تعني مباشرةً نقصاً فورياً في الإمدادات العالمية، مما قد يؤدي إلى قفزات سعرية غير منضبطة.

وجهات نظر وتحليلات الخبراء:

  • تاماس فارجا (محلل PVM): يرى أن السوق يمر بمرحلة “انفصال” بين التصريحات والواقع المادي، مشيراً إلى أن المتداولين يركزون على التوترات، ولكن “ما لم تظهر علامات ملموسة ومادية على تعطل الإمدادات، فإن قوى العرض والطلب التقليدية ستميل لخفض الأسعار” نظراً لتوفر مخزونات كافية حالياً.
  • محللو جولدمان ساكس: لفتوا الانتباه إلى ظاهرة “النفط العائم”، حيث يلاحظ زيادة في كميات النفط المخزنة على متن الناقلات، وهو سلوك احترازي يسلكه المشترون لتأمين أنفسهم ضد أي إغلاق مفاجئ للممرات المائية، مما يبقي مستويات الدعم السعري قوية نسبياً.

عقوبات جديدة وضغوط على النفط الروسي

في تحرك استراتيجي قد يغير ملامح تجارة الطاقة، اقترح الاتحاد الأوروبي توسيع مظلة عقوباته ضد روسيا لتشمل لأول مرة موانئ في دول ثالثة مثل جورجيا وإندونيسيا. هذه الخطوة تهدف إلى تدمير “أسطول الظل” الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على سقف الأسعار وتمويل عملياتها العسكرية.

إن استهداف الموانئ في دول خارج الاتحاد الأوروبي يعد تصعيداً كبيراً، حيث يقلص القنوات المتاحة لتداول الخام الروسي، ويجبر المشترين على البحث عن بدائل من الشرق الأوسط أو إفريقيا، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى زيادة المنافسة على الخامات المتاحة ويرفع من تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي يزيد الضغط التصاعدي على أسعار النفط عالمياً.

التحول الاستراتيجي للهند

لا يمكن قراءة مشهد الطاقة بمعزل عن التحركات الهندية الأخيرة؛ فقد قامت شركة النفط الهندية (IOC) بشراء ستة ملايين برميل من خامات غرب إفريقيا والشرق الأوسط كبديل مباشر للنفط الروسي. هذا التحول ليس مجرد قرار تجاري، بل هو “مناورة جيوسياسية” تهدف من خلالها نيودلهي إلى تعبيد الطريق لاتفاقية تجارية كبرى مع واشنطن في مارس المقبل.

هذا التغيير في بوصلة الاستيراد الهندية يمثل ضغطاً كبيراً على التدفقات الروسية التي كانت تعتمد على السوق الهندي كمتنفس رئيسي، ويؤدي في الوقت ذاته إلى زيادة الطلب على خامات “أوبك+”، مما يساهم في موازنة أي تراجع في الطلب قد ينتج عن التباطؤ الاقتصادي العالمي.

في الختام، تظل أسعار النفط رهينة التوازن الهش بين “لغة الدبلوماسية” و”واقع التصعيد الميداني”. فرغم الإشارات الإيجابية الخجولة من مسقط حول المفاوضات النووية، إلا أن الإجراءات الحمائية في مياه الخليج وتوسيع نطاق العقوبات الدولية يفرضان واقعاً يتسم بعدم اليقين.

بالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، ستظل الأيام المقبلة حاسمة؛ حيث ستكون مراقبة تقارير وكالة الطاقة الدولية وبيانات المخزونات الأمريكية، جنباً إلى جنب مع أي تحركات عسكرية أو دبلوماسية في مضيق هرمز، هي الأدوات الأساسية لفك شفرة اتجاه الأسعار في الربع الأول من العام.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى