كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر: انخفاض التضخم في أبريل قد يكون خداعاً مؤقتاً

في تطور جديد يراقب عن كثب من قبل الأسواق المالية العالمية، أطلق هيو بيل (Huw Pill)، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا (BoE)، تحذيراً شديد اللهجة بشأن التفاؤل المفرط حيال التراجع المتوقع في معدلات التضخم خلال شهر أبريل القادم.
يرى بيل أن الوصول المرتقب لمعدل التضخم إلى مستهدفه البالغ 2% قد لا يعكس استقراراً حقيقياً في الأسعار، بل هو نتاج تأثيرات مؤقتة وتعديلات تنظيمية في قطاع الطاقة، محذراً من أن الركون إلى هذه الأرقام السطحية قد يؤدي إلى قراءة مغلوطة لسلامة الاقتصاد الهيكلية.
فخ التراجع المؤقت: لماذا الحذر؟
أوضح بيل، خلال حديثه مع مجتمع الأعمال عقب قرار الفائدة الأخير، أن هناك “خندقاً” (ditch) في ديناميكيات التضخم قصيرة الأجل. هذا التراجع، رغم كونه إيجابياً في ظاهره، يعود بشكل رئيسي إلى عوامل فنية وليست جوهرية، ومن أبرزها:
- انخفاض أسعار الطاقة المنظمة: التي ستدخل حيز التنفيذ في أبريل، وهي تمثل تعديلاً تقنياً في سقف الأسعار الذي تفرضه الجهات التنظيمية، مما يخفض التكلفة على المستهلك بشكل فوري ولكنه لا يضمن بقاء الضغوط السعرية منخفضة في القطاعات الأخرى.
- التدابير المالية السابقة: وتحديداً القرارات المالية التي اتخذت في نوفمبر الماضي وبدأ أثرها يظهر الآن في البيانات الرسمية. هذه التدابير تعمل كـ “مسكنات” مؤقتة تخفي تحتها ضغوطاً أساسية قد تعاود الظهور بمجرد انتهاء مفعولها.
وشدد كبير الاقتصاديين على ضرورة عدم الانجرار وراء هذه الأرقام المؤقتة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في “التضخم المستمر” (Persistent Inflation). هذا النوع من التضخم، المرتبط بنمو الأجور وتكاليف الخدمات، سيظل فاعلاً ومؤثراً بمجرد تلاشي هذه الآثار لمرة واحدة، مما قد يضع البنك المركزي في موقف صعب إذا تسرع في إعلان “النصر” على التضخم.
السياسة النقدية واستدامة الأهداف
كان “هيو بيل” جزءاً من الأغلبية (5-4) التي صوتت لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة عند 3.75% هذا الأسبوع. وجاء هذا القرار بعد خفض بمقدار ربع نقطة في ديسمبر الماضي، مما يعكس انقساماً واضحاً داخل لجنة السياسة النقدية حول سرعة التيسير النقدي ومخاوف من فقدان السيطرة على استقرار الأسعار على المدى الطويل.
أبرز نقاط التحليل الفني:
- سرعة خفض الفائدة: أعرب بيل عن قلقه الصريح من أن البنك المركزي قد تحرك “بسرعة كبيرة” في دورة التيسير السابقة. ويرى أن الخفض المبكر قد يحفز الطلب بشكل يفوق قدرة العرض، مما يؤدي إلى ارتداد تضخمي يصعب كبحه لاحقاً.
- الضغوط المستقبلية: يخشى بيل من أن ضغوط التضخم الكامنة، خاصة في سوق العمل المترابط، ستجعل من الصعب بقاء المعدلات عند المستهدف (2%) بشكل دائم. فالتراجع المتوقع في وقت لاحق من هذا العام قد يكون مجرد “استراحة محارب” تتبعها موجة صعودية جديدة إذا لم تظل السياسة النقدية متشددة بما يكفي.
- الثبات الناري: أكد أن السياسة النقدية يجب أن تظل يقظة وموجهة لمعالجة أي “ثبات” (persistence) في الضغوط التضخمية الكامنة. وهذا يعني مراقبة دقيقة لمؤشرات التضخم الأساسي (Core Inflation) الذي يستثني السلع المتذبذبة مثل الطاقة والغذاء، كونه المرآة الحقيقية لاستدامة استقرار الأسعار.
رؤية تحليلية: ما وراء الأرقام
من الناحية التحليلية، يبدو أن بنك إنجلترا يحاول موازنة الكفة بدقة متناهية بين دعم النمو الاقتصادي المتباطئ وبين خطر عودة اشتعال الأسعار الذي قد يقوض القوة الشرائية للمواطنين. إن وصف بيل للتراجع القادم بـ “الخندق” هو استعارة ذكية تشير إلى فجوة مؤقتة في منحنى التضخم؛ فبمجرد عبور هذا الخندق، قد يجد الاقتصاد نفسه في مواجهة تضاريس تضخمية مرتفعة مرة أخرى، مما يتطلب حذراً شديداً من قبل صناع السياسة النقدية لتجنب الوقوع في فخ التفاؤل المبكر.
بالنسبة للمستثمرين والمتابعين للشأن البريطاني، فإن الرسالة التي يبثها بيل واضحة ولا تقبل التأويل: لا تتوقعوا دورة خفض سريعة أو متتالية للفائدة. فالبنك المركزي، بقيادة جناحه الأكثر حذراً، يفضل التأكد من أن التضخم قد تم “ترويضه” فعلياً في هيكل الاقتصاد الكلي وليس فقط في كشوف حسابات شركات الطاقة. هذا النهج يعني أن الفائدة قد تظل عند مستويات “مقيدة” لفترة أطول مما تأمله الأسواق، لضمان هبوط سلس ومستدام للتضخم نحو مستوياته الطبيعية.
اقرأ أيضا…



