أخبار الأسواقأخبار اليورو دولارأخبار الإسترليني دولارفوركس

لماذا يتفوق اليورو على الجنيه الإسترليني في ظل قرارات بنك إنجلترا والمركزي الأوروبي؟

شهدت الأسواق المالية العالمية مؤخراً تحولاً جوهرياً في التوقعات المتعلقة بالسياسات النقدية لكل من بنك إنجلترا (BoE) والبنك المركزي الأوروبي (ECB). وعلى الرغم من أن كلا المؤسستين اتخذتا قراراً ظاهرياً بتثبيت أسعار الفائدة في اجتماعاتهما الأخيرة، إلا أن الفحص الدقيق لـ “لهجة” الخطاب (Tone) والبيانات المرافقة يكشف عن فجوة تتسع بين توجهات لندن وفرانكفورت، مما يضع توقعات سعر صرف اليورو مقابل الجنيه الإسترليني (EUR/GBP) أمام آفاق صعودية واضحة.

تباين السياسات النقدية: حمائم لندن مقابل صقور فرانكفورت

في لندن، لم يكن قرار بنك إنجلترا بتثبيت الفائدة مجرد إجراء روتيني؛ فقد جاء بنسبة تصويت منقسمة بلغت 5 إلى 4. هذا الانقسام الحاد يعكس صراعاً داخلياً بين الرغبة في كبح التضخم والمخاوف من الركود الاقتصادي، وهو ما يفسره المحللون كميل واضح نحو التيسير النقدي (Dovish). وأشار البنك صراحة إلى أن تكاليف الاقتراض مرشحة للانخفاض في المدى القريب، شريطة استدامة وتيرة التراجع في التضخم الأساسي، مما يعطي إشارة للأسواق بأن ذروة الفائدة البريطانية قد ولت.

في المقابل، تبنى البنك المركزي الأوروبي موقفاً أكثر صرامة وتحفظاً. فبينما كانت الأسواق تأمل في تلميحات لخفض الفائدة، جاءت توقعات التضخم في منطقة اليورو دون تغيير جوهري، ما يعكس قلق البنك من الضغوط السعرية الملحّة في قطاع الخدمات. هذا الثبات يوحي بأن السياسة النقدية في فرانكفورت ستبقى متشددة لأشهر قادمة، مما يخلق تفاضلاً في أسعار الفائدة يصب في مصلحة العملة الموحدة.

ويحلل “دومينيك بونينج”، رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي لمجموعة G10 في بنك “نومورا”، هذا المشهد قائلاً إن اجتماع بنك إنجلترا خلق مخاطر هبوطية إضافية لسعر الفائدة الأساسي (Bank Rate) بشكل فاق توقعات الأسواق. ويضيف بونينج في مذكرته التحليلية: “نحن نشهد تحولاً في ميزان المخاطر؛ فبينما تتجه الأنظار في بريطانيا نحو خفض الفائدة، نرى احتمالاً متزايداً بأن تكون الخطوة القادمة للمركزي الأوروبي هي الرفع وليس الخفض، حتى وإن كان هذا الاحتمال مرجأً لفترة أبعد”.

الضغوط السياسية في بريطانيا وتأثيرها على الأسواق

إلى جانب العوامل النقدية، يترنح الجنيه الإسترليني تحت وطأة مشهد سياسي مضطرب في المملكة المتحدة. يواجه رئيس الوزراء “كير ستارمر” اختباراً صعباً لشعبيته وقيادته، خاصة مع تزايد حدة الانتقادات حول تعيين “بيتر ماندلسون” سفيراً لدى واشنطن، وهو ما يراه البعض انعكاساً لتصدعات داخل حزب العمال.

هذا الغموض السياسي لا يمر مرور الكرام في أروقة التداول، ويثير قلق المستثمرين لعدة اعتبارات:

  1. غياب البديل الصديق للأسواق: يُنظر إلى ستارمر حالياً كصمام أمان للوسطية السياسية. وأي سيناريو لاستبداله قد يفتح الباب أمام صعود تيارات أكثر يسارية داخل الحزب، وهو ما قد يؤدي إلى تبني سياسات مالية وتدخلية لا ترحب بها رؤوس الأموال الأجنبية.
  2. علاوة المخاطر المالية: إن احتمال تغيير القيادة يعني بالضرورة احتمالية تعيين وزير خزانة جديد بسياسات مختلفة. هذا التغيير قد يعيد للأذهان حالة “اللايقين” المالي التي عصفت بالأسواق في عهود سابقة، مما يزيد من “علاوة المخاطر” (Risk Premium) المطلوبة لحيازة الأصول المقومة بالإسترليني.

أداء السندات وتوقعات زوج (EUR/GBP)

ترجمت أسواق السندات هذه التوجهات بشكل فوري وملموس؛ حيث شهدت عوائد السندات الحكومية البريطانية (Gilts) لأجل عامين — وهي الأكثر حساسية للتحولات في السياسة النقدية — أكبر هبوط يومي لها منذ شهر نوفمبر الماضي. هذا الهبوط في العوائد يعكس قناعة المستثمرين بأن الفائدة البريطانية في طريقها للتراجع، مما يقلل من جاذبية الإسترليني كعملة استثمارية. وتتداول العوائد حالياً في محيط 3.635%، مسجلة خسائر أسبوعية تقترب من 9 نقاط أساس.

المستويات المستهدفة والتحليل الفني

بناءً على تضافر هذه العوامل الاقتصادية والسياسية، رفع بنك “نومورا” من درجة يقينه تجاه توصية “شراء اليورو مقابل الإسترليني”. ويستهدف المحللون صعود زوج العملات إلى مستوى 0.8950 كهدف متوسط المدى، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالمستويات الحالية التي تبلغ 0.8686، ما يمثل فرصة للمتداولين للتحوط من ضعف العملة البريطانية.

في النهاية يجد الجنيه الإسترليني نفسه اليوم محاصراً بين مطرقة التوجهات التيسيرية المفاجئة لبنك إنجلترا وسندان القلاقل السياسية التي تهدد الاستقرار المالي. وفي ظل تماسك موقف البنك المركزي الأوروبي وصلابة توقعات التضخم في القارة العجوز، يبدو أن الطريق ممهد لليورو لمواصلة تفوقه. بالنسبة للمستثمرين، تظل مراقبة البيانات السياسية القادمة من “داونينج ستريت” لا تقل أهمية عن مراقبة بيانات التضخم من لندن وفرانكفورت.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى