أسعار الذهب تستعيد بريقها كملاذ آمن

شهدت أسعار الذهب انتعاشاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الجمعة، مستفيدة من عودة الزخم لطلبات الملاذ الآمن التي عادة ما تتصدر المشهد المالي في أوقات الاضطراب. يأتي هذا الارتفاع كاستجابة طبيعية لإعادة تقييم المخاطر بعد موجة بيع حادة شهدتها الجلسات السابقة، حيث تضافرت عوامل تراجع الأسهم العالمية واستمرار التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران لتعيد توجيه بوصلة المستثمرين نحو المعدن النفيس كأداة تحوط لا غنى عنها.
تحليل أداء أسعار الذهب اليوم
سجلت أسعار الذهب الفورية ارتفاعاً لافتاً بنسبة 1.9% لتصل إلى مستوى 4,859.43 دولاراً للأوقية، وهو ما يعكس رغبة الأسواق في امتصاص صدمات الأسواق المالية الأخرى. وفي المقابل، أظهرت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أبريل تماسكاً نسبياً رغم انخفاضها الطفيف بنسبة 0.1% ل تستقر عند 4,883.10 دولاراً، مما يشير إلى وجود فجوة سعرية يراقبها المتداولون بدقة لاستنباط الاتجاه القادم.
ويشير خبراء الأسواق ومحللو “أواندا” (OANDA) إلى أن حالة “الحذر الشديد” لا تزال تهيمن على معنويات التداول. فالمستثمرون يراقبون عن كثب نتائج المفاوضات رفيعة المستوى في سلطنة عُمان بشأن البرنامج النووي الإيراني؛ إذ إن أي انفراجة أو تعثر في هذه المحادثات سيؤدي حتماً إلى تحركات سعرية عنيفة ومفاجئة، مما يجعل الذهب في حالة تذبذب عرضي بانتظار إشارة واضحة.
العوامل المؤثرة على سوق المعدن النفيس
تتداخل عدة مسارات اقتصادية وسياسية لرسم الخارطة الحالية لـ أسعار الذهب، ويمكن تفصيلها كالآتي:
- التوترات الجيوسياسية المتجذرة: تظل العلاقة المتوترة والمتقلبة بين طهران وواشنطن المحرك الجوهري لتدفقات السيولة نحو الأصول الآمنة. فالتاريخ الاقتصادي يثبت أن الذهب لا يعمل فقط كمخزن للقيمة، بل يزدهر كأداة سيادية في فترات الغموض الجيوسياسي، حيث يهرب رأس المال من الأصول الخطرة إلى أمان السبائك.
- الارتباط العكسي مع الأسهم العالمية: تسبب الانهيار الذي أصاب مؤشرات “وول ستريت” وانتقل كعدوى سريعة إلى الأسواق الآسيوية في خلق حالة من الذعر. هذا التراجع دفع الصناديق الاستثمارية لتسييل مراكزها في الأسهم لتغطية خسائر أو لزيادة المراكز في الذهب، سعياً وراء تنويع المحفظة وتقليل الانكشاف على مخاطر الركود المحتمل.
- تشديد قيود مجموعة CME: في خطوة استباقية لتهدئة المضاربات، قامت مجموعة CME برفع متطلبات الهامش لعقود الذهب والفضة للمرة الثالثة خلال أسبوعين فقط. هذا الإجراء الفني يهدف بالأساس إلى رفع تكلفة التداول للحد من التقلبات العنيفة، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى خروج بعض صغار المستثمرين من السوق، مما يترك الساحة لكبار اللاعبين والمؤسسات المالية.
مستويات الدعم والمقاومة الفنية
من منظور التحليل الفني، يدخل الذهب مرحلة من “التماسك السعري” ضمن نطاق واسع يعكس حالة الترقب. يحدد الخبراء المستويات التالية كنقاط محورية للمرحلة المقبلة:
- حاجز المقاومة الرئيسي (5,169 دولاراً): يمثل هذا المستوى العقبة النفسية والفنية الأهم؛ حيث إن اختراقه بنجاح سيفتح الباب أمام موجة صعودية جديدة قد تستهدف قمم غير مسبوقة.
- مستوى الدعم الرئيسي (4,400 دولاراً): يعتبر صمام الأمان للثيران (المشترين)؛ فالبقاء فوق هذا المستوى يحافظ على النظرة الإيجابية للمعدن الأصفر في المدى المتوسط.
ومع ذلك، تبرز قوة الدولار الأمريكي كعائق أساسي أمام انطلاق الذهب؛ إذ إن تحرك العملة الأمريكية قرب أعلى مستوياتها في أسبوعين يزيد من تكلفة حيازة المعدن بالنسبة لحاملي العملات الأخرى، مما يخلق ضغطاً موازناً لقوى الشراء الناتجة عن التوترات السياسية.
تأثير السياسة النقدية والبيانات الاقتصادية
لا يمكن فصل أسعار الذهب عن كواليس البنك المركزي الأمريكي. تترقب الأسواق حالياً بلهفة تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي تأجل صدوره إلى 11 فبراير نتيجة الإغلاق الحكومي الجزئي السابق. هذه البيانات ستكون “حجر الزاوية” في تحديد المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.
علاوة على ذلك، أثار ترشيح “كيفن وارش” لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي موجة من التوقعات حول سياسة نقدية أكثر تشدداً، مما ساهم في دعم الدولار بشكل مباشر وضيق الخناق على مكاسب الذهب الأسبوعية. كما شهدت الأسواق الفعلية في الهند تراجعاً في علاوات الأسعار نتيجة التذبذب الحاد، مما يعكس حذر المستهلكين النهائيين في أكبر أسواق الذهب عالمياً.
نظرة شاملة على المعادن الثمينة الأخرى
لم تكن مكاسب يوم الجمعة حكراً على الذهب، بل انسحبت الحالة الإيجابية على بقية المعادن:
- الفضة: حققت قفزة قوية بنسبة 4.2% لتصل إلى 74.22 دولاراً، محاولةً تعويض خسائرها القاسية التي بلغت 12% خلال الأسبوع.
- المعادن الصناعية: استعاد كل من البلاتين والبلاديوم بعض توازنهما بمكاسب بلغت 0.9% و2.3% على التوالي، رغم الضغوط التي فرضتها تراجعات القطاع الصناعي العالمي بشكل عام خلال الأيام الماضية.
في المحصلة، تظل أسعار الذهب تتأرجح بين مطرقة قوة الدولار وسندان المخاطر الجيوسياسية. وفي حين يظل المعدن الأصفر هو الملاذ الذي يلجأ إليه الجميع عند اشتداد الأزمات، فإن مراقبة مستويات الدعم الفني وتطورات “هامش المخاطرة” لدى البورصات العالمية تظل ضرورة قصوى للمستثمرين لتجنب الانزلاقات السعرية المفاجئة في بيئة اقتصادية شديدة الحساسية.
اقرأ أيضا…



