بنك إنجلترا يثبت أسعار الفائدة عند 3.75%: متى يحين موعد الخفض القادم؟

في اجتماعه الافتتاحي لعام 2026، قرر بنك إنجلترا الحفاظ على أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 3.75%. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل جاء نتاج مخاض عسير وانقسام ملحوظ داخل لجنة السياسة النقدية (MPC)، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات المستثمرين والمواطنين حول التوقيت المرتقب لبدء دورة التيسير النقدي القادمة ومدى قدرة الاقتصاد البريطاني على الصمود أمام الضغوط التضخمية المستمرة.
انقسام حاد داخل “بنك إنجلترا”: ماذا وراء الأرقام؟
شهد الاجتماع الأخير تصويتاً دراماتيكياً عكس حالة من “عدم اليقين” الاقتصادي، حيث انتهى بنتيجة 5 مقابل 4 لصالح تثبيت الفائدة. ورغم أن استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالات مثل “رويترز” كانت تشير إلى انقسام أقل حدة بنسبة (7-2)، إلا أن تصويت أربعة أعضاء لصالح خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس يعكس تحولاً “حمائمياً” (Dovish) غير متوقع. هذا التقارب في الأصوات يشير إلى أن مراكز القوى داخل بنك إنجلترا بدأت تميل نحو دعم النمو لمواجهة شبح الركود، رغم استمرار المخاوف من اشتعال الأسعار مجدداً.
يأتي هذا التثبيت بعد خفض وحيد شهده شهر ديسمبر الماضي. ومع ذلك، فإن بيانات النمو الشهري التي جاءت أقوى من المتوقع، بالتزامن مع تضخم ثابت عند 3.4% في ديسمبر، جعلت الغالبية في لجنة السياسة النقدية تفضل التريث لضمان عدم حدوث ارتدادة تضخمية قد تقوض المكتسبات النقدية السابقة.
أكد بنك إنجلترا في بيانه الرسمي أن البوصلة لا تزال موجهة نحو مستهدف 2%، ليس فقط الوصول إليه، بل الاستقرار عنده بشكل مستدام في المدى المتوسط. وأوضح البنك أن قرارات خفض الفائدة المستقبلية لن تكون تلقائية، بل ستعتمد كلياً على تطور توقعات التضخم المحلية والعالمية، خاصة مع ترقب انخفاض مؤشر أسعار المستهلكين إلى مستويات قريبة من الهدف بحلول شهر أبريل المقبل نتيجة انخفاض تكاليف الطاقة المبرمجة.
رد فعل الأسواق وتصريحات أندرو بيلي
لم تمر رسائل البنك دون استجابة فورية من الأسواق المالية؛ فقد شهد الجنيه الإسترليني تراجعاً بنسبة 0.6% مقابل الدولار ليصل إلى مستوى 1.356 دولار، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تسعير احتمالية خفض الفائدة في وقت أقرب مما كان يُعتقد سابقاً.
وفي محاولة لطمأنة الأسواق مع الحفاظ على الحذر، قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي: “أتوقع رؤية انخفاض حاد وملموس في التضخم خلال الأشهر المقبلة. هناك بلا شك مجال لمزيد من التيسير النقدي في المستقبل، لكن هذا لا يعني التزاماً بالخفض في كل اجتماع؛ بل سأدخل الاجتماعات القادمة متسائلاً بجدية: هل الأدلة الحالية تجعل خفض سعر الفائدة مبرراً من الناحية الاقتصادية؟”.
توقعات الخبراء: تشريح سيناريوهات خفض الفائدة
تتباين قراءات كبار الاقتصاديين حول الخطوة التالية لبنك إنجلترا، حيث تبلورت ثلاث وجهات نظر رئيسية:
- سيناريو أبريل (الإجماع الأكبر): يرى خبراء في “بانمور ليبروم” و”أكسفورد إيكونوميكس” أن اجتماع 30 أبريل سيكون المحطة الفاصلة. بحلول ذلك الوقت، سيكون لدى البنك صورة واضحة عن “جولات الأجور” السنوية ومدى تأثير التشديد المالي على القوة الشرائية، مما يمنح اللجنة الضوء الأخضر للتحرك.
- سيناريو مارس (المناورة المبكرة): يتبنى محللو “بي إن بي باريبا” رؤية أكثر تفاؤلاً بتوقع خفض مبكر في مارس، يليه فترة توقف طويلة (Prolonged Pause). الهدف هنا هو إعطاء جرعة تنشيطية سريعة للاقتصاد ثم مراقبة النتائج قبل استئناف التيسير في 2027.
- نهج الحذر التدريجي: تشير تحليلات “بيرنبرغ” و”آي سي أيه إي دبليو” إلى أن البنك قد يكتفي بخفضين أو ثلاثة فقط طوال عام 2026، مع الاحتفاظ بـ “هامش أمان” لمواجهة أي صدمات خارجية في أسعار السلع الأساسية، مما يعني سياسة نقدية تمزج بين التحفيز والتحفظ.
العوامل الجوهرية المؤثرة على القرار القادم:
- بيانات التضخم لربيع 2026: تُعتبر الاختبار الحقيقي لمصداقية توقعات البنك.
- مرونة سوق العمل: مراقبة وتيرة نمو الأجور، حيث أن أي زيادة غير مدروسة قد تؤدي إلى تضخم مدفوع بالتكاليف.
- مخاطر الركود التضخمي (Stagflation): الموازنة الدقيقة بين تباطؤ الطلب وضغوط الأسعار، وهي الحالة التي تجعل أي قرار خاطئ بتخفيض الفائدة أو رفعها ذا عواقب وخيمة على الاستثمار.
في الختام، يظل بنك إنجلترا في وضعية “الانتظار النشط”. ورغم أن تقارب أصوات أعضاء اللجنة يشير بوضوح إلى أننا في نهاية نفق الفائدة المرتفعة، إلا أن “عناد” التضخم في قطاع الخدمات لا يزال يمثل تحدياً كبيراً. بالنسبة للمستثمرين وأصحاب العقارات، يظل شهر أبريل هو الموعد الأكثر ترقباً، حيث من المتوقع أن تتضح معالم الخريطة النقدية لبريطانيا لما تبقى من هذا العام.
اقرأ أيضا…



