نمو قطاع الخدمات البريطاني يسجل أعلى مستوى في 5 أشهر

استهل الاقتصاد البريطاني عام 2026 بزخم لافت، حيث كشفت البيانات النهائية الصادرة عن مؤسسة “إس آند بي جلوبال” (S&P Global) أن نمو قطاع الخدمات البريطاني قد تسارع بأسرع وتيرة له منذ خمسة أشهر. هذا الانتعاش لا يمثل مجرد تحسن رقمي، بل يعكس حالة من التعافي المرن في هيكلية الاقتصاد المحلي، مدفوعاً بزيادة ملموسة في حجم المخرجات وتدفق الطلبات الجديدة، مما يعزز التوقعات المتفائلة بشأن استدامة النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة خلال الربع الأول من العام.
مؤشر مدير المشتريات الخدمي يسجل قفزة نوعية
وفقاً للتقرير النهائي، صعد مؤشر مدير المشتريات لقطاع الخدمات (Services PMI) إلى 54.0 نقطة في يناير، محققاً قفزة قوية من مستواه في ديسمبر البالغ 51.4 نقطة. وبالرغم من أن هذه القراءة جاءت أدنى بقليل من التقدير الأولي البالغ 54.3، إلا أن تجاوز حاجز الـ 54 نقطة يضع القطاع في منطقة نمو صلبة لم يشهدها منذ أغسطس 2025.
تحليل أعمق لدلالات الأرقام:
- استمرارية التوسع: يمثل استقرار المؤشر فوق عتبة الـ 50 نقطة للشهر التاسع على التوالي دليلاً على تجاوز القطاع الخدمي لمرحلة الركود التقني ودخوله في دورة نمو مستقرة، رغم التقلبات الجيوسياسية المحيطة.
- ديناميكية الطلب الخارجي: سجل إجمالي الأعمال الجديدة نمواً هو الأسرع في ثلاثة أشهر، وكان المحرك الأساسي لهذا الزخم هو انتعاش طلبات التصدير. يشير هذا إلى أن الخدمات البريطانية، بدءاً من الاستشارات المالية وصولاً إلى الحلول التقنية، بدأت تستعيد ميزتها التنافسية في الأسواق العالمية، مستفيدة من استقرار سلاسل التوريد وتحسن الطلب في الأسواق الشريكة.
التوظيف والتكاليف: مفارقة النمو والتحديات الهيكلية
على الرغم من هذا الازدهار في النشاط التجاري، لا يزال سوق العمل داخل القطاع يظهر إشارات متباينة؛ حيث استمر انخفاض أعداد الموظفين بشكل شهري منذ أكتوبر 2024. هذه المفارقة بين نمو الأعمال وانكماش التوظيف تشير إلى عدة احتمالات: إما اتجاه الشركات نحو تعظيم الإنتاجية عبر التكنولوجيا والأتمتة لتعويض نقص العمالة، أو وجود فجوة حادة في المهارات تجعل من الصعب ملء الشواغر المتاحة رغم الحاجة إليها.
وفيما يتعلق بالضغوط التضخمية داخل القطاع، فقد كشفت بيانات يناير عن مشهد معقد:
- أسعار المدخلات: واصلت ارتفاعها نتيجة تكاليف الطاقة والأجور، ولكن وتيرة هذا الارتفاع كانت أبطأ من ذروة الأشهر السبعة التي سجلتها في ديسمبر، مما قد يمنح صانعي السياسة النقدية في بنك إنجلترا بصيصاً من الأمل حول استقرار التضخم.
- أسعار المخرجات (التضخم المنقول): في المقابل، رفعت الشركات أسعار خدماتها للعملاء بأسرع معدل منذ أغسطس 2025. وتعكس هذه الخطوة الجريئة قدرة الشركات على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلك النهائي دون المخاطرة بفقدان الطلب، وهو ما يؤكد قوة القوة الشرائية الحالية وثقة العملاء.
تفاؤل يبلغ ذروته محركات الثقة وآفاق الاستثمار
سجلت مستويات التفاؤل بين مديري المشتريات في قطاع الخدمات أعلى مستوياتها منذ أكتوبر 2024. هذا التفاؤل ليس مجرد شعور عابر، بل يستند إلى معطيات ملموسة رصدها المحللون:
- تراكم “أنابيب البيع” (Sales Pipelines): تشير التقارير إلى وجود تراكم في العقود المستقبلية التي تنتظر التنفيذ.
- تحسن الروح المعنوية للعملاء: هناك توجه متزايد نحو إتمام الصفقات المؤجلة، مما يعكس تحسناً في المناخ الاستثماري العام.
- توقعات الإنفاق الرأسمالي: تتوقع العديد من الشركات زيادة وتيرة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والتوسع الجغرافي خلال الأشهر القادمة، مدفوعة بآمال استقرار أسعار الفائدة.
الاقتصاد الخاص البريطاني: نظرة مركبة وشاملة
لم يكن قطاع الخدمات يعمل بمعزل عن بقية الاقتصاد؛ فقد امتد التأثير الإيجابي ليشمل القطاع الخاص ككل. حيث قفز المؤشر المركب (Composite Index)، الذي يجمع بين نشاط التصنيع والخدمات، إلى 53.7 نقطة صعوداً من 51.4 في ديسمبر.
تعد هذه القراءة هي الأعلى منذ أغسطس 2024، مما يوجه رسالة قوية للأسواق بأن المحرك الاقتصادي البريطاني قد بدأ بالفعل في استعادة سرعته القصوى. ورغم أن الرقم النهائي جاء دون التقدير الأولي البالغ 53.9، إلا أن المحصلة النهائية تظل إيجابية للغاية، حيث تشير إلى أن بريطانيا قد تكون في وضع أفضل مما كان متوقعاً لمواجهة أي تباطؤ اقتصادي عالمي محتمل.
اقرأ أيضا…



