أخبار الأسواقأخبار الإسترليني دولاراخبار اقتصادية

ماذا ننتظر من اجتماع بنك إنجلترا هذا الأسبوع؟

يجتمع أعضاء لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا يوم الخميس الموافق 5 فبراير 2026، في لحظة فارقة تمثل أول اختبار حقيقي للتوجهات المالية البريطانية في العام الجديد. وبينما تحبس الأسواق العالمية والمحلية أنفاسها ترقباً لنتائج هذا الاجتماع، تشير القراءات الفنية والمعطيات الاقتصادية الحالية إلى ميل البنك نحو تبني استراتيجية “التثبيت الحذر” لأسعار الفائدة. ويأتي هذا التوجه في ظل مشهد اقتصادي شديد التعقيد، يحاول الموازنة بين ضغوط التضخم التي عاودت الظهور بشكل مفاجئ وبين الرغبة في تحفيز وتيرة النمو المحلي المتباطئة.

بنك إنجلترا وأسعار الفائدة: هل انتهت رحلة التيسير الكمي؟

بعد سلسلة من أربعة تخفيضات متتالية لأسعار الفائدة شهدناها على مدار عام 2025، والتي كان الهدف منها تنشيط الدورة الاقتصادية، يبدو أن بنك إنجلترا قد قرر الآن التمهل والضغط على المكابح لفترة مؤقتة. ففي الوقت الراهن، تعكس أسواق العقود الآجلة حالة من التشاؤم بشأن أي خفض فوري، حيث تضع احتمالية ضئيلة جداً لا تتجاوز 4.1% لاتخاذ خطوة تيسيرية في اجتماع فبراير الحالي. وبدلاً من ذلك، بدأت التوقعات تنزاح نحو اجتماع مارس (بنسبة 28%)، مع شبه إجماع على أن الخفض الفعلي الأول لهذا العام قد لا يرى النور قبل أبريل القادم.

هذه السياسة الدفاعية لم تأتِ من فراغ؛ بل هي استجابة مباشرة للارتفاع غير المتوقع في مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) الذي قفز إلى 3.4% في ديسمبر الماضي. هذا الرقم أعاد للأذهان مخاوف “دوامة التضخم”، مما أجبر صناع السياسة في “ثريدنيدل ستريت” على إعادة تقييم جدولهم الزمني بدقة، لضمان عدم ضياع المكتسبات التي تحققت في العامين الماضيين وتفادي خروج الأسعار عن نطاق السيطرة مرة أخرى.

التضخم في المملكة المتحدة: رحلة العودة الشاقة إلى مستهدف 2%

لقد قطع الاقتصاد البريطاني رحلة شاقة وطويلة منذ أن لامس التضخم ذروته التاريخية الصادمة عند 11.1% في أكتوبر 2022. ورغم النجاح المؤقت في الوصول إلى مستهدف البنك البالغ 2% في منتصف عام 2024، إلا أن عام 2025 حمل معه “انتكاسة” أعادت التضخم إلى الواجهة نتيجة عوامل هيكلية وموسمية.

أبرز أسباب “عناد” التضخم وتداعياتها حالياً:

  1. تقلبات أسعار الطاقة الجيوسياسية: لا يزال قطاع الطاقة يمثل الخاصرة الرخوة للاقتصاد، حيث تتأثر الفواتير المنزلية والصناعية بشكل مباشر بالاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، مما يجعل التضخم عرضة للصدمات الخارجية المفاجئة.
  2. ضغوط الرسوم التنظيمية المرتقبة: يترقب البريطانيون في أبريل القادم زيادة في تكاليف الخدمات العامة، بما في ذلك أسعار السكك الحديدية والضرائب المحلية. هذه الزيادات تعمل كعامل “تضخمي” داخلي قد يعيق سرعة هبوط المؤشر العام للأسعار.
  3. تحديات سوق العمل ونمو الأجور: على الرغم من المؤشرات التي تدل على تباطؤ طفيف في الرواتب، إلا أن نمو الأجور لا يزال مرتفعاً بما يكفي ليشكل ضغطاً مستمراً على قطاع الخدمات، وهو القطاع الذي يراقبه بنك إنجلترا عن كثب كمعيار للتضخم الأساسي المستدام.

كم عدد مرات خفض الفائدة المتوقعة في 2026؟

يدور حالياً جدل واسع بين كبار المحللين حول عدد الخطوات التيسيرية التي سيتخذها بنك إنجلترا خلال الأشهر الاثني عشر القادمة، حيث تنقسم الآراء إلى معسكرين:

  • معسكر “التحرك الجريء”: يرى مديرو الصناديق في “Jupiter Strategic Bond” أن التباطؤ الحاد في النمو الاقتصادي، مقروناً بارتفاع معدلات البطالة، سيجبر البنك في نهاية المطاف على منح “الضوء الأخضر” لإجراء ما قد يصل إلى أربعة تخفيضات هذا العام، وذلك لتفادي وقوع البلاد في فخ الركود.
  • معسكر “الحذر الاستراتيجي”: يميل خبراء مثل “جيمس لينش” من “Aegon Asset Management” إلى توقع خفضين فقط كحد أدنى. ويستند هذا الرأي إلى أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يظهر علامات من “الخمول”، ومع انخفاض أسعار النفط العالمية لتدور حول مستويات 60 دولاراً للبرميل، سيكون لدى البنك مساحة كافية للمناورة دون التضحية باستقرار الأسعار.

التأثيرات العالمية: من الميزانية المحلية إلى “حروب التجارة”

تجري تحركات بنك إنجلترا تحت ظلال كثيفة من عدم اليقين العالمي. فقد فرضت التهديدات التجارية الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، وتحديداً ما يتعلق بفرض تعريفات جمركية شاملة، واقعاً جديداً قد يؤثر على تكاليف الاستيراد العالمية. ومع ذلك، يسود اعتقاد بين المستثمرين المؤسسيين بأن المملكة المتحدة تمتلك هوامش أمان تجعلها أكثر صموداً أمام هذه الهزات مقارنة بشركائها في القارة الأوروبية.

على الصعيد المحلي، يُتوقع أن تعمل التعديلات الضريبية القاسية التي طُرحت في موازنة الخريف كحجر عثرة أمام التوسع الاقتصادي، حيث تشير التوقعات الرسمية إلى نمو متواضع لا يتجاوز 1.4%. هذا النمو الهزيل يضع البنك أمام معضلة: فإما الاستمرار في سياسة التشدد لضمان وأد التضخم، أو خفض الفائدة لدعم الشركات والمستهلكين الذين يرزحون تحت وطأة الضرائب المرتفعة.

الخلاصة: ماذا يعني ذلك للمستثمر والمستهلك؟

لن يقتصر اجتماع هذا الأسبوع على قرار الفائدة فحسب، بل سيشهد صدور “تقرير السياسة النقدية الربع سنوي”، وهو الوثيقة التي ستحدد ملامح “خارطة الطريق” المالية للمرحلة المقبلة. فإذا تضمن التقرير نبرة تفاؤلية بشأن عودة التضخم إلى مستواه الطبيعي في الربع الثاني من 2026، فإننا قد نرى انفراجة في الثقة الاستهلاكية، متمثلة في انخفاض تدريجي لتكاليف القروض والرهن العقاري، مما قد ينعش سوق الإسكان البريطاني بحلول الربيع.

في الختام، يظل بنك إنجلترا في وضعية “المراقب اليقظ”، حيث يحاول الموازنة على خيط رفيع بين دعم اقتصاد يفتقر إلى الزخم، وبين الوفاء بتفويضه الأساسي في حماية القوة الشرائية للجنيه الإسترليني.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى