أخبار الأسواقأخبار الذهبأخبار النفطسلع

زلزال في أسواق المعادن: أسعار الذهب تسجل أكبر هبوط يومي منذ 1983 والفضة تواجه أسوء يوم في تاريخها

شهدت الأسواق العالمية يوم الجمعة تحولاً دراماتيكياً لم يشهده جيل كامل من المستثمرين، حيث سجلت أسعار الذهب أكبر تراجع يومي لها منذ أكثر من أربعة عقود، بينما عاشت الفضة أسوأ يوم في تاريخها المسجل على الإطلاق. هذا التصحيح العنيف، الذي وصفه مراقبو السوق بأنه “تفريغ حاد للضغوط الشرائية”، جاء مدفوعاً بمزيج من عمليات جني الأرباح الكثيفة والتحولات السياسية المفاجئة في قلب الإدارة المالية للولايات المتحدة.

الذهب يسقط من القمة: تحليل الانهيار

بعد أن لامست أسعار الذهب ذروة تاريخية غير مسبوقة عند 5,594.82 دولاراً للأوقية خلال تداولات يوم الخميس، هوت الأسعار في المعاملات الفورية بنسبة 9.5% لتستقر عند 4,883.62 دولاراً عند الساعة 1:57 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. ولم يكن حال العقود الآجلة أفضل حالاً؛ إذ أغلقت عقود فبراير على انخفاض حاد بنسبة 11.4% لتستقر عند 4,745.10 دولاراً.

هذا الهبوط لا يمثل مجرد تراجع عابر، بل هو الأكبر من نوعه منذ عام 1983، مما يضع حداً مفاجئاً لسلسلة من الارتفاعات القياسية التي ميزت شهر يناير 2026. إن التخلي عن هذه المستويات السعرية في وقت قياسي يشير إلى حالة من “الذعر البيعي” (Panic Selling) التي اجتاحت صناديق الاستثمار بعد بلوغ الأسعار مستويات تشبع شرائي غير مستدامة، مما جعل يناير يُخلد كأكثر الشهور تقلباً في تاريخ المعادن النفيسة الحديث.

الفضة وتراجع تاريخي بنسبة 30%

إذا كان الذهب قد اهتزت أركانه، فإن الفضة قد تعرضت لما يشبه الانهيار الهيكلي. فقد تراجعت الفضة الفورية بنسبة مذهلة بلغت 27.7% لتصل إلى 83.99 دولاراً للأوقية، بعد أن كانت قد هوت في لحظات ذعر بيعي مكثف إلى مستوى 77.72 دولاراً.

ويُعد هذا التراجع اليومي هو الأكبر على الإطلاق وفقاً لبيانات LSEG المتاحة منذ عام 1982. هذا الانخفاض الحاد قام بمحو جانب كبير من المكاسب السريعة التي حققها المعدن الأبيض، الذي كان قد سجل مستوى قياسياً عند 121.64 دولاراً قبل 24 ساعة فقط. إن طبيعة الفضة كمعدن صناعي ونفيس في آن واحد ضاعفت من وتيرة هبوطها، حيث تزامنت المخاوف النقدية مع عمليات تصفية واسعة للمراكز الشرائية الطويلة.

الدوافع وراء “البيع الكبير”: لغز كيفن وارش والدولار

يرى المحللون أن هناك ثلاثة عوامل جوهرية تضافرت لتشكل هذه “العاصفة الكاملة” في الأسواق:

  1. زلزال الفيدرالي وتعيين وارش: فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مفاجأة باختياره كيفن وارش، العضو السابق في مجلس المحافظين وأحد أبرز منتقدي السياسة النقدية السابقة، ليخلف جيروم باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي بدءاً من مايو المقبل. يُعرف وارش بتوجهاته “المتشددة” (Hawkish)، مما أعطى إشارة فورية للأسواق بأن عهد السياسات النقدية المرنة قد شارف على الانتهاء، ممهداً الطريق لارتفاع في العوائد الحقيقية للسندات، وهو العدو التقليدي للذهب الذي لا يدر عائداً.
  2. انتعاش الدولار القوي: استعاد مؤشر الدولار (DXY) عافيته بقوة مرتفعاً بنسبة 0.7%، ليرتد من أدنى مستوياته في أربع سنوات. هذا الارتفاع جعل الذهب والفضة المسعرين بالدولار أكثر تكلفة بكثير للمشترين الدوليين، مما أدى إلى تجفيف الطلب الخارجي وزيادة الضغط على الأسعار المحلية.
  3. جني أرباح تقني وتصحيح المسار: بعد مكاسب شهرية استثنائية تجاوزت 13% للذهب و17% للفضة، كان السوق “متخماً” بالسيولة الساخنة وفي حاجة ماسة لتصحيح فني. إن تحول المعنويات المفاجئ دفع المستثمرين لإغلاق مراكزهم لتأمين الأرباح، مما أدى إلى تفعيل أوامر البيع التلقائية (Stop-Loss) ومضاعفة سرعة الهبوط.

رؤية الخبراء: هل انتهى المسار الصاعد؟

توضح سوكي كوبر، رئيسة بحوث السلع في “ستاندرد تشارترد”، أن السوق كان مهيأً للتصحيح، قائلة: “سواء نظرنا إلى قوة الدولار المفاجئة أو التحول في توقعات العوائد الحقيقية، فإن تظافر هذه المحركات هو ما أطلق شرارة جني الأرباح العنيف”.

من جانبه، يرى نيكي شيلز، رئيس استراتيجية المعادن في MKS PAMP، أن الأسعار تحتاج للوصول إلى “مناطق توازن” جديدة، مقترحاً مستهدفات هبوطية عند 4,600 دولار للذهب و80 دولاراً للفضة. وأكد أن هذا الهبوط، رغم قسوته، قد يكون ضرورياً “لإعادة ضبط” السوق نحو مسار صعودي أكثر اعتدالاً واستدامة، بعيداً عن الفقاعات السعرية.

النزيف يمتد إلى البلاتين والبلاديوم

لم تكن المعادن البيضاء الأخرى بمعزل عن هذا الزلزال السعري:

  • البلاتين: فقد 19.18% من قيمته ليتراجع إلى 2,125 دولاراً للأوقية.
  • البلاديوم: تعرض لضربة قوية بهبوطه بنسبة 15.7% ليصل إلى 1,682 دولاراً.

ختاما ما شهدناه هو عملية “إعادة تسعير كبرى” للمخاطر العالمية بناءً على هوية قائد السياسة النقدية الجديد في واشنطن. وبينما تظل أسعار الذهب مرتفعة على المدى المتوسط، إلا أن التقلبات الحادة الحالية تعكس مرحلة من عدم اليقين. إن استيعاب الأسواق لسياسة “وارش” المتوقعة قد يعني أن القمم التاريخية السابقة ستظل بعيدة المنال في المدى القريب، مع توجه الأنظار نحو قوة الدولار كلاعب أساسي في تحديد اتجاهات التداول للمرحلة القادمة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى