أسعار النفط تتراجع وسط بوادر دبلوماسية أمريكية تجاه إيران

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً بنسبة تقترب من 1% خلال تعاملات يوم الجمعة، مدفوعة بإشارات دبلوماسية “مهدئة” من البيت الأبيض تجاه ملف البرنامج النووي الإيراني. هذا التحول المفاجئ في النبرة السياسية ساهم في تبديد جزء كبير من “علاوة المخاطر” التي اكتسبتها العقود في وقت سابق، حيث تراجعت مخاوف الأسواق بشأن احتمالات تعطل الإمدادات الحيوية نتيجة أي مواجهة عسكرية مباشرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تعد الشريان الرئيسي لتدفقات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.
خام برنت وتكساس يرضخان لضغوط التهدئة
سجلت العقود الآجلة لخام برنت انخفاضاً قدره 68 سنتاً لتصل إلى 70.03 دولاراً للبرميل عند التسوية، بينما فقد عقد شهر أبريل الأكثر نشاطاً وتداولاً حوالي 1.15% من قيمته الإجمالية ليصل إلى 68.79 دولاراً. وفي الوقت ذاته، لم يكن الخام الأمريكي بمنأى عن هذه الضغوط؛ حيث هبط خام غرب تكساس (WTI) بنسبة 1.1% ليستقر عند 64.70 دولاراً للبرميل.
وعلى الرغم من هذا التراجع اللحظي الذي قد يبدو “تصحيحياً”، إلا أن أسعار النفط لا تزال في طريقها لتحقيق مكاسب شهرية استثنائية؛ حيث يستعد خام برنت لتسجيل أكبر قفزة شهرية له منذ مطلع عام 2022. ويأتي هذا الأداء القوي مدعوماً بوصول الأسعار في وقت سابق من الأسبوع إلى مستويات قياسية لامست 72 دولاراً، وهو السقف الأعلى الذي لم تبلغه الأسواق منذ أغسطس الماضي، مما يعكس حالة التجاذب الحاد بين التوترات السياسية والأساسيات الاقتصادية.
أوبك+: استراتيجية “التريث” لمواجهة تقلبات السوق العنيفة
في ظل هذا المشهد المعقد والمليء بالمتغيرات، أفادت مصادر دبلوماسية مطلعة داخل تحالف “أوبك+” بأن الدول الثمانية الكبار -بقيادة المملكة العربية السعودية وروسيا- تميل في الوقت الراهن نحو الإبقاء على تجميد زيادة الإنتاج التي كانت مقررة لشهر مارس القادم. ويأتي هذا التوجه المرتقب قبل اجتماع الأحد المقبل كرسالة طمأنة للأسواق بأن التحالف لن يسمح بحدوث تخمة مفاجئة قد تقوض استقرار الأسعار فوق مستويات الـ 70 دولاراً.
محاور اجتماع أوبك+ وتداعياته السياساتية:
- تمديد تجميد الحصص: التوقعات تشير إلى استمرار تعليق خطط زيادة الإنتاج التدريجية (التي بلغت مستهدفاتها 2.9 مليون برميل يومياً في عام 2025) حتى نهاية الربع الأول من عام 2026. هذا الإجراء يهدف بشكل أساسي إلى امتصاص أثر ضعف الاستهلاك الموسمي التقليدي في بداية العام.
- دور لجنة المراقبة (JMMC): ستلعب اللجنة الوزارية دوراً محورياً في مراقبة مستويات الامتثال الصارمة، حيث ستعكف على مراجعة دقيقة لبيانات العرض والطلب المتغيرة، مع التركيز على موازنة الحصص في ظل عودة بعض الإنتاج من خارج التحالف.
- صراع الحصة السوقية مقابل السعر: يسعى التحالف لترسيخ “أرضية سعرية” متماسكة تحمي ميزانيات الدول الأعضاء، مع إبقاء العين على الحصة السوقية العالمية لضمان عدم استفراد منتجي النفط الصخري الأمريكي بالزيادة في الطلب العالمي.
الدبلوماسية الأمريكية وتحول المزاج العام للمستثمرين
يرى محللون اقتصاديون أن استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه طهران اتسمت بنوع من “الغموض التكتيكي”؛ فبينما كان يلوح بضربات عسكرية مركزة ونشر قطع بحرية استراتيجية، عاد ليشير إلى إمكانية الجلوس على طاولة المفاوضات. هذا التأرجح بين التصعيد والتهدئة جعل خيار الصدام العسكري الشامل أقل ترجيحاً في نظر الصناديق الاستثمارية، مما أدى إلى انكماش فوري في مراكز الشراء القائمة على التوقعات الجيوسياسية، وبالتالي الضغط على أسعار النفط نزولاً.
عوامل اقتصادية وفنية عمقت الضغوط السعرية:
- انتعاش الدولار وعلاقته العكسية بالنفط: تعافي مؤشر الدولار من أدنى مستوياته في عدة سنوات زاد من تكلفة حيازة البرميل بالنسبة للمستوردين الذين يتعاملون بعملات أخرى، مما شكل عائقاً أمام نمو الطلب الفوري.
- استقرار الإمدادات في كازاخستان وروسيا: تزامنت هذه الأحداث مع أنباء عن استئناف حقل “تنجيز” العملاق في كازاخستان لعملياته تدريجياً، بالإضافة إلى بدء فترات الصيانة الدورية للمصافي الروسية، مما أعاد رسم خارطة المعروض المتوقع في المدى القصير.
- سايكولوجية “جني الأرباح”: بعد موجة الصعود القوية نحو مستوى 72 دولاراً، وجد العديد من المتداولين في بوادر التهدئة السياسية فرصة مثالية لإغلاق مراكزهم وتسييل أرباحهم قبل عطلة نهاية الأسبوع لتجنب أي فجوات سعرية مفاجئة.
توقعات أسعار النفط لعام 2026: هل يفرض “الفائض” كلمته؟
بناءً على نتائج استطلاع الرأي الموسع الذي أجرته (رويترز) بمشاركة 31 من كبار المحللين، تبرز رؤية “حذرة” تشير إلى أن أسعار النفط قد تستقر حول متوسط 60-62 دولاراً لبرميل برنت خلال عام 2026. الفرضية الأساسية لهذا التوقع تكمن في أن فائض المعروض العالمي، والذي قد يصل في ذروته إلى 3.5 مليون برميل يومياً، سيكون بمثابة “وسادة حماية” تمتص الصدمات، مما يمنع حدوث طفرات سعرية مستدامة حتى في حال استمرار القلاقل الجيوسياسية.
التحديات الهيكلية الممتدة:
- المعضلة الفنزويلية: تظل قدرة فنزويلا على استعادة زخم إنتاجها السابق محدودة للغاية بسبب سنوات من غياب الاستثمار المباشر وتهالك البنى التحتية، وهو ما يعني أن أي زيادة في إنتاجها لن تشكل تهديداً كبيراً للتوازن العالمي قبل عام 2027.
- مرونة أوبك+ القادمة: ستكون الاختبارات القادمة للتحالف مرتبطة بمدى قدرته على “تقنين” عودة البراميل المجمدة إلى السوق دون إحداث ارتدادات سعرية عنيفة، خاصة إذا ظل نمو الطلب الصيني أقل من التوقعات المتفائلة.
ختاما تؤكد التحركات الأخيرة أن أسعار النفط تعيش مرحلة من “عدم اليقين المزدوج”؛ حيث تصطدم الأساسيات الاقتصادية التي تشير إلى وفرة المعروض مع المخاطر السياسية التي تهدد النقص المفاجئ. وفي حين تظل أوبك+ هي صمام الأمان لضبط الإيقاع، سيبقى المستثمرون يراقبون عن كثب كل تغريدة أو تصريح صادر من واشنطن، إذ أصبحت الدبلوماسية الأمريكية لا تقل تأثيراً عن قرارات الإنتاج الفعلية في رسم ملامح منحنى الأسعار.
اقرأ أيضا…



