أخبار الأسواقأخبار الدولار الأمريكيفوركس

الدولار الأمريكي تحت المجهر: تذبذبات حادة وسط ضغوط السياسة وتثبيت الفائدة

تتجه أنظار المستثمرين عالمياً نحو أداء الدولار الأمريكي في مطلع عام 2026، حيث يشهد “الأخضر” حالة من عدم الاستقرار مدفوعة بالتجاذبات العنيفة بين توجهات البيت الأبيض السياسية وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي المستقلة. وفي ظل بيئة مشحونة بالتقلبات الجيوسياسية والنزاعات التجارية العابرة للحدود، يطرح السؤال نفسه بحدة: إلى أين يتجه مسار العملة الأقوى عالمياً في ظل هذا الانقسام الداخلي؟

ملخص الحالة السوقية للدولار الأمريكي اليوم

سجل الدولار الأمريكي تراجعاً ملحوظاً وشاملاً خلال تداولات نهاية يناير 2026، حيث انخفض مؤشر الدولار (DXY) — الذي يقيس أداء العملة مقابل سلة من ست عملات رئيسية — ليحوم حول مستويات الـ 96 نقطة. هذا الهبوط لم يكن مجرد تصحيح فني، بل جاء نتاج تراكم الضغوط الناجمة عن حالة “عدم اليقين” المزمنة التي تسيطر على شهية المخاطرة في الأسواق؛ حيث أدى تضارب التصريحات بين وزارة الخزانة والبيت الأبيض إلى فقدان المتداولين لبوصلة التوجهات النقدية المستقبلية.

الفيدرالي الأمريكي: سياسة التثبيت في مواجهة ضغوط الإدارة

في خطوة وصفتها الأسواق بـ “الحذرة”، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة ثابتة عند مستوياتها الحالية (حوالي 3.75%). وخلال مؤتمره الصحفي، حاول رئيس الفيدرالي، جيروم باول، طمأنة الأسواق بوصفه للاقتصاد الأمريكي بأنه “صلب ومرن”، مؤكداً أن المخاطر المتعلّقة بالتضخم والتوظيف قد بدأت تتقلص بشكل ملموس.

ومع ذلك، لم يمر هذا القرار دون “ضجيج” سياسي؛ حيث واصل الرئيس دونالد ترامب ضغوطه العلنية، مصرحاً بأن الولايات المتحدة تستحق أن تحظى بـ “أقل أسعار فائدة في العالم” لتعزيز قدرتها التنافسية. ويرى البيت الأبيض أن قوة الدولار الأمريكي المفرطة تعمل بمثابة “ضريبة” مستترة على الصادرات الأمريكية، مما يعيق جهود إعادة التوازن التجاري التي تتبناها الإدارة.

العوامل المؤثرة على سعر الدولار الأمريكي في 2026

تتداخل عدة عوامل هيكلية ودورية في رسم المسار المعقد للعملة، ومن أبرزها:

  1. تضارب الرسائل السياسية: يواجه المستثمرون معضلة في تفسير الموقف الرسمي؛ فبينما يحاول وزير الخزانة سكوت بيسنت بث الطمأنينة عبر تأكيد التزام واشنطن التاريخي بـ “الدولار القوي”، تأتي تغريدات وتصريحات البيت الأبيض لتعطي انطباعاً بمباركة هبوط العملة لدعم الصناعة المحلية. هذا “التشويش” في الرسائل يضعف الثقة المؤسسية ويجعل العملة عرضة لعمليات بيع مفاجئة عند كل تصريح جديد.
  2. بيانات سوق العمل المتباينة: رغم انخفاض طلبات إعانة البطالة، إلا أن الصورة الكلية للتوظيف تبدو “باهتة”. هذا التباين يخلق حالة من “القلق الهادئ” لدى الأسر الأمريكية، حيث يخشى المحللون من أن ضعف وتيرة التوظيف قد يؤدي إلى تراجع الاستهلاك المحلي، وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد، مما يضع ضغوطاً إضافية على العملة.
  3. الهروب نحو الملاذات الآمنة: لم يعد الدولار الأمريكي الملاذ الوحيد في أوقات الاضطراب السياسي. فقد أدى القلق من تقلبات السياسة المالية الأمريكية إلى تدفق السيولة نحو الذهب، الذي كسر حاجز الـ 5000 دولار للأونصة لأول مرة في التاريخ. هذا الهروب يعكس رغبة المستثمرين في حماية محافظهم من “تقلبات العملات الورقية” التي تتأثر بالصراعات السياسية الداخلية.

أداء الدولار مقابل العملات الرئيسية

اليورو (EUR/USD) ونذير الانكماش

اخترق اليورو حاجز الـ 1.20 دولار، وهو مستوى “نفسي وتقني” وضع البنك المركزي الأوروبي في حالة تأهب قصوى. التبعات هنا مزدوجة؛ فقوة اليورو أمام الدولار الأمريكي تجعل الواردات الأوروبية أرخص، مما قد يغذي الضغوط الانكماشية في منطقة اليورو، وهو أمر قد يضطر رئيسة البنك المركزي الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لخفض الفائدة لمنع “تجميد” التضخم عند مستويات متدنية جداً.

الين الياباني (USD/JPY) وتدخلات الظل

استقر الين في نطاق 152-154 ين لكل دولار، مستفيداً من تراجع الزخم الشرائي على الدولار. وتراقب الأسواق عن كثب “تحركات الظل”؛ حيث تسود توقعات بأن أي انزلاق إضافي قد يستدعي تدخلاً منسقاً بين طوكيو وواشنطن لإعادة الاستقرار، خاصة وأن التقلبات الحادة تضر بسلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالين.

الدولار الأسترالي (AUD/USD) وشهية المخاطرة

برز “الأوزي” كأحد أكبر الرابحين، حيث وصل لأعلى مستوى في ثلاث سنوات فوق 0.70 دولار أمريكي. يعود هذا التفوق إلى قوة قطاع السلع الأساسية وتوقعات رفع الفائدة في أستراليا، مما جعل المستثمرين يفضلونه كبديل عالي العائد مقارنة بـ الدولار الأمريكي المتعثر.

التوقعات المستقبلية لسعر الدولار الأمريكي

يرى خبراء “ماكواري جروب” أن الأسواق قد تكون بالغت في تقدير ضعف العملة، مرجحين أن دورة خفض الفائدة قد بلغت نهايتها فعلياً. التوقعات تشير إلى احتمال العودة لرفع الفائدة في الربع الرابع من عام 2026 إذا ما نجح الاقتصاد في تجاوز “غمة” التوظيف الحالية.

ختاما يظل الدولار الأمريكي حالياً في منطقة “المخاطرة السياسية”. فرغم الأسس الاقتصادية المتينة، إلا أن الافتقار إلى “جبهة موحدة” في الخطاب الاقتصادي الأمريكي يجعل العملة أسيرة للتصريحات اليومية، مما يفتح الباب أمام المزيد من التذبذبات الحادة في مواجهة العملات العالمية الرئيسية والملاذات الآمنة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى