صناديق البيتكوين تواجه موجة نزوح للسيولة: هل تطفئ الضغوط الجيوسياسية وقرارات الفيدرالي بريق الكريبتو؟

يخضع سوق الأصول الرقمية لاختبار قاصٍ مع نهاية شهر يناير 2026، حيث دخلت صناديق البيتكوين المتداولة (ETFs) في مرحلة من الضبابية أدت إلى تسجيل تدفقات نقدية خارجة لليوم الثاني على التوالي. هذا التحول الجذري في سلوك المستثمرين المؤسسيين لا يعكس مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل يجسد استجابة سريعة لمزيج من الضغوط الفنية المتراكمة، والسياسة النقدية “الحذرة” التي ينتهجها الاحتياطي الفيدرالي، فضلاً عن تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي أعادت الزخم للأصول التقليدية وعلى رأسها الذهب.
نزوح السيولة من صناديق البيتكوين
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة “Farside Investors”، شهدت صناديق البيتكوين صافي تدفقات خارجة بلغت نحو 19.6 مليون دولار في جلسة 28 يناير. ورغم أن هذا الرقم يبدو ضئيلاً عند مقارنته بحجم الأصول الكلي، إلا أن خطورته تكمن في “الاستمرارية”؛ حيث تعكس هذه الأرقام امتداداً لسلسلة من الأداء الهش الذي لم يشهد سوى يوم واحد من التدفقات الإيجابية خلال آخر ثماني جلسات تداول، وهو ما يشير إلى حالة من “الإنهاك” في قوى الشراء.
ويمثل هذا التراجع تبدلاً حاداً في المزاج العام مقارنة بحالة التفاؤل المفرط التي سادت في منتصف يناير. فبعد أن نجحت صناديق البيتكوين في جذب سيولة قياسية بلغت 840.6 مليون دولار في 14 يناير، تدهورت المعنويات بسرعة مذهلة لتصل إلى ذروة التسييل في 21 يناير، بخروج 708.7 مليون دولار. هذا التذبذب الحاد يشير إلى أن المستثمرين في هذه الصناديق لا يزالون يتأثرون بشدة بتقلبات المدى القصير، مما يضعف فرضية “الاستقرار المؤسسي” التي رُوّج لها عند إطلاق هذه المنتجات.
صناديق إيثيريوم: صمود نسبي وتماسك لافت
على النقيض من حالة التراجع التي تسيطر على صناديق البيتكوين، أظهرت صناديق الإيثيريوم (Ethereum ETFs) مؤشرات استقرار تدعو للتفاؤل الحذر. فقد سجلت هذه الصناديق تدفقات داخلة بقيمة 28.1 مليون دولار في 28 يناير، مسبوقة بجلسة قوية في 26 يناير جذبت نحو 117 مليون دولار.
ويبدو أن عودة الاهتمام بصندوق “iShares Ethereum Trust” التابع لشركة بلاك روك (BlackRock)، والذي استقطب وحده 27.3 مليون دولار مؤخراً، تعكس رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم داخل قطاع الكريبتو نفسه، وتوجيه السيولة نحو الإيثيريوم كبديل أقل تأثراً بضغوط البيع المباشرة التي تلاحق البيتكوين حالياً، خاصة بعد توقف نزيف السيولة من صناديق “Grayscale” التاريخية.
تشريح أثر السياسة النقدية: الفيدرالي يرفض التراجع
لم تكن العوامل الداخلية للسوق هي المحرك الوحيد؛ إذ لعبت نبرة “جيروم باول” دور “كابح السرعة” لنمو الأصول الرقمية. فمن خلال إبقاء الفيدرالي على أسعار الفائدة في نطاق 3.50% إلى 3.75%، أرسل رسالة واضحة مفادها أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد.
تداعيات بيان الفيدرالي على الأصول عالية المخاطر:
- رسائل التضخم: التأكيد على بقاء التضخم فوق المستهدف بنسبة 2% يقلل من احتمالات خفض الفائدة قريباً، وهو ما يرفع من “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة أصول لا تدر عائداً مثل البيتكوين.
- الانقسام الداخلي: رغم انقسام بعض الأعضاء (مثل ميران ووالر) لصالح خفض طفيف، إلا أن التوجه العام نحو “الصبر” يعزز من قوة الدولار ويضغط على أسعار الأصول المشفرة.
- مخاوف الاستقلالية: تزايدت الضغوط نتيجة التحقيقات القانونية التي تلاحق باول والمحاولات السياسية للتأثير على تكوين مجلس المحافظين، مما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقلالية القرار النقدي مستقبلاً.
المشهد الجيوسياسي ورحلة البحث عن الأمان
في ظل هذه المعطيات، لم تنجح أسعار البيتكوين في الحفاظ على مستوياتها، لتهبط دون حاجز الـ 88,000 دولار. وقد تزايدت وتيرة الهبوط مع تقارير حول تحركات عسكرية أمريكية محتملة في الشرق الأوسط. هذا التصعيد الجيوسياسي دفع المستثمرين بشكل غريزي نحو “الملاذات التاريخية”؛ حيث سجل الذهب والفضة مستويات قياسية جديدة، مما يؤكد أن البيتكوين لم ينجح بعد في انتزاع لقب “الذهب الرقمي” في أوقات الأزمات العسكرية الكبرى.
في النهاية تواجه صناديق البيتكوين حالياً مفترق طرق؛ فإما أن تثبت قدرتها على الصمود أمام هذه “العاصفة الكاملة” من الضغوط النقدية والسياسية، أو أن نشهد مزيداً من التخارج لصالح الأصول التقليدية. إن تباطؤ وتيرة البيع في الأيام الأخيرة قد يكون بادرة “تجميع” جديدة، لكن التعافي الحقيقي يظل رهيناً بهدوء الجبهات الجيوسياسية أو صدور إشارات أكثر ليونة من البنك المركزي الأمريكي.
اقرأ أيضا…



