أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

عاجل: الفيدرالي الأمريكي يثبت أسعار الفائدة

قرر الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) في اجتماعه الأخير تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية ضمن نطاق 3.5% – 3.75%، واضعاً حداً لسلسلة من ثلاث تخفيضات متتالية بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منها. كانت تلك التحركات السابقة توصف بأنها “إجراءات صيانة” تهدف إلى حماية سوق العمل من الركود، إلا أن التثبيت الحالي يمثل تحولاً استراتيجياً نحو “الصبر النقدي”. يأتي هذا القرار في توقيت بالغ التعقيد، حيث يواجه البنك ضغوطاً سياسية متزايدة وتحديات جوهرية تتعلق بسيادة قراره، تزامناً مع اقتراب الأنفاس الأخيرة لولاية رئيسه جيروم باول.

تقييم الفيدرالي الأمريكي للوضع الاقتصادي الراهن

أشارت لجنة السوق المفتوحة الاتحادية في بيانها الرسمي إلى تحسن ملموس في مسار النمو الاقتصادي، واصفة النشاط بأنه يتوسع بـ “وتيرة صلبة”. وبناءً على هذه المعطيات، أحدث الفيدرالي الأمريكي تغييراً جوهرياً في “ميزان المخاطر”؛ فلم يعد البنك يميل نحو حماية سوق العمل على حساب التضخم، بل يرى الآن أن هدفي التوظيف الكامل واستقرار الأسعار باتا في حالة توازن تقتضي التمهل في أي خفض إضافي.

تحليل أعمق لمؤشرات الاقتصاد الكلي:

  • ديناميكيات النمو: لم يكتفِ الاقتصاد بالنمو، بل تسارع بشكل فاق التوقعات، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي 4.4% في الربع الثالث، مع مؤشرات قوية من بنك أتلانتا الفيدرالي تشير إلى قفزة محتملة تصل إلى 5.4% في الربع الأخير. هذا الزخم القوي يقلل من حاجة الاقتصاد إلى التحفيز عبر خفض الفائدة.
  • مرونة سوق العمل: رغم تباطؤ وتيرة التوظيف الجديدة، إلا أن الفيدرالي لاحظ استقراراً في معدل البطالة وتراجعاً تاريخياً في طلبات الإعانة لتصل لأدنى مستوياتها في عامين. هذا يعكس سوقاً “مرناً” يتحمل مستويات الفائدة الحالية دون خطر الانهيار الوشيك.
  • استعصاء التضخم: لا يزال التضخم يمثل “الصداع المزمن” لصانعي السياسة. فرغم تراجعه عن ذروة عام 2022، إلا أن استقراره قرب 3% يجعله بعيداً عن مستهدف الفيدرالي الأمريكي (2%). هذا الفارق بنسبة 1% هو ما يدفع الصقور داخل البنك للمطالبة بوقف التيسير النقدي لضمان عدم اشتعال الأسعار مجدداً.

صراع الاستقلالية: باول في مواجهة العواصف السياسية

لم يكن اجتماع الفيدرالي الأمريكي مجرد جلسة لمناقشة الأرقام، بل كان فصلاً جديداً في صراع الاستقلالية ضد التدخلات السياسية. جيروم باول، الذي يقترب من نهاية ثماني سنوات عاصفة شملت جائحة عالمية وركوداً حاداً، يجد نفسه الآن تحت مجهر وزارة العدل بسبب قضايا إدارية، في خطوة يراها المحللون وسيلة للضغط السياسي.

وقد تجلى الانقسام بوضوح داخل اللجنة؛ حيث عارض العضوان “ستيفن ميران” و”كريستوفر والر” قرار التثبيت، مطاليْن بخفض رابع للفائدة. تكمن أهمية هذه المعارضة في كونهما معينين من قبل الرئيس ترامب، مما يعزز المخاوف من تسلل التوجهات السياسية إلى قلب قرارات الفيدرالي الأمريكي، وهو ما حذر منه باول صراحةً في تصريحاته الأخيرة حول محاولات السيطرة على السياسة النقدية.

التداعيات الاقتصادية: التعريفات الجمركية والهجرة

يراقب خبراء الفيدرالي الأمريكي متغيرين خارجيين قد يقلبان الطاولة على التوقعات الحالية:

  1. ضغوط التكلفة: يُنظر إلى التعريفات الجمركية المقترحة كعامل تضخمي مباشر؛ حيث ترفع تكلفة المدخلات الصناعية، مما قد يضطر البنك لإبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول لكبح جماح الأسعار المرتفعة.
  2. أزمة العرض في سوق العمل: التشدد في سياسات الهجرة أدى لتباطؤ التوظيف في قطاعات حيوية، وهو ما قد يؤدي لرفع الأجور بشكل يغذي دوامة التضخم، مما يضع الفيدرالي الأمريكي في موقف صعب بين دعم النمو ومحاربة الغلاء.

التوقعات المستقبلية: خارطة طريق الفائدة حتى 2027

تتسم لغة البنك الحالية بـ “الغموض المدروس”، حيث أكد أنه سيراقب البيانات الواردة قبل أي تحرك في يونيو المقبل. وتعكس أسواق العقود الآجلة الآن نظرة أكثر تشاؤماً تجاه خفض الفائدة، حيث تتوقع خفضين فقط في 2026 واستقراراً كاملاً في 2027.

ومع ترقب رحيل باول، يبرز اسم “ريك ريدر” من “بلاك روك” كأوفر المرشحين حظاً لتولي الدفة. إن هوية رئيس الفيدرالي الأمريكي القادم لن تحدد فقط أسعار الفائدة، بل ستحدد مدى قدرة المؤسسة على الصمود أمام رغبة السلطة التنفيذية في الهيمنة على القرار النقدي، وهو ما سيبقى الشاغل الأكبر للمستثمرين في وول ستريت.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى