نزوح جماعي من صناديق الاستثمار في العملات الرقمية مع هبوط البيتكوين

شهدت منتجات الاستثمار في الأصول الرقمية أكبر موجة تخارج أسبوعي منذ منتصف عام 2025، حيث بلغت القيمة الإجمالية للتدفقات الخارجة نحو 1.73 مليار دولار. ويأتي هذا التحول الحاد في معنويات المستثمرين ليس فقط كاستجابة لتقلبات الأسعار، بل كإشارة قوية على إعادة تموضع رؤوس الأموال المؤسسية وسط ضغوط اقتصادية كلية متزايدة، وتغيرات جيوسياسية راديكالية أعادت رسم خارطة توزيع السيولة العالمية بين الأصول التقليدية والناشئة.
تحول الثقة: لماذا يهرب المستثمرون الآن؟
وفقاً لبيانات “كوين شيرز” (CoinShares)، فإن هذا النزوح الجماعي تزامن مع تراجع حاد في أسعار البيتكوين والإيثيريوم، مما يعكس تصدعاً مؤقتاً في سردية “مخزن القيمة الرقمي”. ويرى المحللون أن هذا الهروب الكبير يتجاوز كونه تصحيحاً فنياً، ليصبح انعكاساً لعدة عوامل بنيوية متشابكة:
- انفجار أسعار الذهب والسيادة التقليدية: وصل المعدن الأصفر إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت 5,000 دولار للأوقية. هذا الصعود الصاروخي أعاد إحياء جاذبية الأصول الملموسة، مما دفع المستثمرين إلى تفضيل “الملاذات الآمنة” التقليدية التي أثبتت كفاءتها عبر القرون، وسحب السيولة مباشرة من “الذهب الرقمي” الذي فشل في مواكبة هذا الزخم الدفاعي خلال الأسبوع الماضي.
- الضغوط الجيوسياسية (أزمة جرينلاند والتعريفات): لم تعد الأسواق تعمل بمعزل عن التوترات السياسية؛ إذ أدت تهديدات التعريفات الجمركية المتجددة من الإدارة الأمريكية تجاه الشركاء الأوروبيين، والمرتبطة بملف “جرينلاند” المثير للجدل، إلى حالة من “عدم اليقين الجيوسياسي”. هذه البيئة تدفع المؤسسات المالية عادةً نحو تسييل الأصول ذات المخاطر العالية (Risk-on Assets) لتقليل التعرض لمخاطر التقلبات الفجائية في أسواق الصرف والسلع.
- تلاشي آمال خفض الفائدة والتشدد النقدي: مع استمرار سياسة الاحتياطي الفيدرالي المتشددة لمواجهة التضخم الهيكلي، تراجعت رهانات الأسواق على أي تيسير نقدي قريب. في ظل أسعار فائدة مرتفعة، تصبح تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالعملات الرقمية — التي لا تدر عائداً أو توزيعات أرباح — باهظة جداً مقارنة بالسندات الحكومية التي باتت توفر عوائد مغرية ومضمونة.
البيتكوين يقود التدفقات الخارجة: جني أرباح أم تغيير في الاتجاه؟
سجلت عملة البيتكوين وحدها تدفقات خارجة بلغت 1.09 مليار دولار في أسبوع واحد، وهو ما يمثل أكبر سحب أسبوعي منفرد منذ نوفمبر 2025. وبعد أن لامست العملة قمة الـ 126,000 دولار في أكتوبر الماضي، دخلت السوق في مرحلة من “الإرهاق السعري” (Price Exhaustion). أدت عمليات جني الأرباح المكثفة من قبل الصناديق المتداولة (ETFs) في الولايات المتحدة إلى تسريع وتيرة الهبوط لمستويات 87,800 دولار.
هذا التراجع وضع البيتكوين في منطقة تقنية حرجة، بعيداً عن مستوياته القياسية التي حققها في أوائل 2026. إن الفشل في اختراق حاجز الـ 100,000 دولار والثبات فوقه خلق حالة من الإحباط لدى المستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء، خاصة مع استمرار ضغوط البيع من قبل “الحيتان” الذين فضلوا تأمين مكاسبهم بانتظار وضوح الرؤية الاقتصادية.
“إن الإحباط الناتج عن عدم تفاعل الأصول الرقمية مع تجارة خفض العملة (Debasement Trade) حتى الآن، جنباً إلى جنب مع زخم الأسعار السلبي، هو ما غذى هذه التخارجات الكبيرة.” — جيمس بوتيرفيل، رئيس الأبحاث في كوين شيرز.
أداء العملات البديلة: سولانا تشهد إرتفاعات مميزة
بينما كان النزيف مستمراً في معظم الأصول المشفرة، ظهرت تباينات جوهرية تعكس نضجاً في اختيار المستثمرين بناءً على الكفاءة التشغيلية للأصول:
- إيثيريوم (Ethereum): واجهت ضغوطاً هائلة مع تخارجات بقيمة 630 مليون دولار. هبوط السعر دون حاجز الـ 3,000 دولار النفسي أدى إلى تفعيل أوامر بيع تلقائية، مما جعل النظرة الفنية للعملة تبدو “هشة” في المدى القصير، رغم استمرار محاولات التجميع من قبل كبار الملاك عند مستويات الـ 2,700 دولار.
- ريبل (XRP): لم تكن بمنأى عن العاصفة، حيث سجلت خروج 18.2 مليون دولار، مما يعكس تراجعاً في التفاؤل بشأن تسوية النزاعات التنظيمية العالقة وتأثيرها على السيولة المؤسسية.
- سولانا (Solana): برزت كالنقطة المضيئة الوحيدة، حيث جذبت تدفقات داخلة بقيمة 17.1 مليون دولار. هذا التوجه يشير إلى أن المستثمرين باتوا يفرقون بين العملات التي تعاني من تضخم سعري، وبين العملات مثل سولانا التي تقدم قيمة تكنولوجية وسرعة في التنفيذ، مما يجعلها “رهاناً نوعياً” حتى في ظل تراجع السوق العام.
النظرة المستقبلية: محددات المسار القادم
يشير تحليل البيانات إلى أن هذا التخارج يعكس “إعادة تقييم للمخاطر” أكثر من كونه فقداناً كلياً للإيمان بجدوى التشفير. فالمستثمرون يترقبون حالياً محطات فاصلة ستحدد اتجاه السوق في النصف الأول من 2026:
- هوية رئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم: القرار سيمثل الإشارة الأهم للأسواق حول ما إذا كنا سنشهد استمراراً للتشدد أو تحولاً نحو التيسير.
- السياسة التجارية الأمريكية: أي تهدئة في ملف التعريفات الجمركية أو استقرار في العلاقات مع أوروبا واليابان قد يقلل من جاذبية الذهب كملجأ وحيد، ويعيد فتح الباب أمام السيولة للعودة إلى الاستثمار في العملات الرقمية.
ختاما يمر سوق الكريبتو حالياً بمرحلة “غربلة” واختبار حقيقي للصلابة. ومع وصول الذهب لقمة الـ 5,000 دولار، بات على الأصول الرقمية أن تثبت قدرتها ليس فقط كأداة للمضاربة، بل كأصل قادر على الصمود في وجه الأعاصير الجيوسياسية واستعادة ثقة الصناديق السيادية والمؤسسات الكبرى.
اقرأ أيضا…



