أسعار النفط تواصل الارتفاع بدعم من شتاء أمريكا القارس والتوترات الجيوسياسية

شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً مع بداية تداولات الأسبوع، مواصلةً مكاسبها القوية التي حققتها في الجلسة السابقة والتي تجاوزت حاجز الـ 2%. يأتي هذا الزخم الصعودي مدفوعاً بتضافر معقد لعاملين أساسيين: تعطل سلاسل الإنتاج في مناطق استراتيجية بالولايات المتحدة نتيجة الظروف الجوية المتطرفة، وتصاعد حدة التجاذبات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران، مما أثار مخاوف المستثمرين بشأن أمن الطاقة العالمي.
أداء العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس
على صعيد التداولات المباشرة، سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” زيادة بنسبة 0.1% لتستقر عند 65.95 دولاراً للبرميل، بينما حافظ خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي على مستويات 61.10 دولاراً للبرميل.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد طفرة سعرية مؤقتة، بل تجسد استمرار الزخم الإيجابي الذي دفع المؤشرين لتحقيق مكاسب أسبوعية بنسبة 2.7% بنهاية تداولات الجمعة الماضية، وهي المستويات السعرية الأعلى التي تلامسها السوق منذ منتصف يناير. هذا الارتفاع يعكس حالة من إعادة تقييم المخاطر من قبل مديري الصناديق الاستثمارية الذين باتوا يتحسبون لنقص محتمل في المعروض الفوري.
العواصف الشتوية وتأثيرها الهيكلي على الإمدادات الأمريكية
لعب العامل المناخي دوراً محورياً في إعادة صياغة منحنى أسعار النفط. فقد أدت العاصفة الشتوية “فيرن” التي اجتاحت السواحل الأمريكية إلى فرض حالة من الشلل المؤقت، مما استدعى عمليات إغلاق اضطرارية واسعة لمنشآت استخراج الخام ومعامل معالجة الغاز الطبيعي. ولم يقتصر الأثر على الإنتاج فحسب، بل امتد ليشكل ضغطاً غير مسبوق على شبكة الطاقة الوطنية التي كافحت لمواجهة ذروة الطلب على التدفئة.
وبحسب التحليلات التفصيلية الصادرة عن خبراء “جي بي مورجان”، فقدت السوق العالمية تدفقات تقدر بنحو 250 ألف برميل يومياً من الإنتاج الأمريكي. وقد تركزت هذه الانقطاعات في حقل “باكن” الاستراتيجي في أوكلاهوما، إلى جانب أجزاء حيوية من ولاية تكساس التي تعد قلب الصناعة النفطية الأمريكية. إن هذا التقلص المفاجئ في المعروض، خاصة في وقت يزداد فيه الطلب الموسمي، خلق حالة من “التفاؤل الحذر” (Bullish Drive) لدى المراهنين على ارتفاع الأسعار، نظراً لضيق الفجوة بين العرض والطلب المادي.
المخاطر الجيوسياسية: الملف الإيراني وتأثيره النفسي على الأسواق
بعيداً عن جبهة الطقس، تظل المخاطر الجيوسياسية هي المحرك الأكثر تأثيراً في رفع “علاوة المخاطر” على أسعار النفط. فالصراع الصامت والمستمر بين الولايات المتحدة وإيران يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم لأي احتكاك قد يؤدي إلى إغلاق ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز.
وقد أبرزت مذكرات بحثية من مؤسسة “SEB” الدولية أن التحركات العسكرية الأمريكية، وتحديداً إرسال حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” إلى منطقة الشرق الأوسط، كانت ذات ثقل سياسي ونفسي على المستثمرين يفوق في أثره تداعيات العواصف الثلجية. إن التهديدات المتبادلة، والتحذيرات الأمريكية الموجهة لطهران، تقابلها تصريحات إيرانية حادة تصف أي اعتداء بأنه “حرب شاملة”، مما يعزز سيناريوهات انقطاع الإمدادات ويجبر المتداولين على التحوط بأسعار أعلى لضمان تأمين احتياجاتهم المستقبيلة.
كازاخستان واستعادة التوازن النسبي
في مقابل الانقطاعات الأمريكية، تبرز تحركات إيجابية من كبار المنتجين الآخرين قد تساهم في كبح جماح الارتفاعات المفرطة. فقد أعلن كنسورتيوم خط أنابيب بحر قزوين في كازاخستان عن العودة الناجحة لكامل السعة التحميلية في محطته المطلة على البحر الأسود عقب انتهاء عمليات صيانة دقيقة لأحد نقاط الرسو الرئيسية.
بالتوازي مع ذلك، بدأت شركة “تنجيز شفرون”، المشغلة لحقل “تنجيز” العملاق، في تنفيذ خطة استئناف تدريجي للإنتاج بعد فترة توقف مطولة. هذه الخطوات التشغيلية في كازاخستان تمثل صمام أمان مهماً للسوق العالمية، حيث توفر تدفقات بديلة قد تعوض جزئياً النقص الحاصل في الخام الخفيف القادم من الحقول الأمريكية المتعطلة بفعل الشتاء.
ختاما تظل بوصلة أسعار النفط في الوقت الراهن محصورة بين مطرقة تعطل الإمدادات الفيزيائية في نصف الكرة الغربي وسندان التوترات السياسية القابلة للانفجار في الشرق. وبينما تمنح عودة الإمدادات من كازاخستان جرعة من الهدوء النسبي، إلا أن استمرار انخفاض المخزونات الأمريكية وتصاعد نبرة المواجهة مع إيران يظلان المحركين الأساسيين اللذين قد يدفعان الأسعار لاختبار مستويات مقاومة جديدة في المدى المنظور.
اقرأ أيضا…



