ثقة المستهلك الأمريكي تسجل تحسنا مفاجئا في يناير

أظهرت البيانات المراجعة والصادرة عن جامعة ميشيغان يوم الجمعة تحسناً ملحوظاً في ثقة المستهلك في الولايات المتحدة خلال شهر يناير، متجاوزة التقديرات الأولية وتوقعات كبار الخبراء الاقتصاديين. هذا الارتفاع، رغم كونه تدريجياً، يعكس حالة من التفاؤل الحذر وبداية تشكل قاعدة ثقة صلبة بين مختلف الفئات الديموغرافية والسياسية في المجتمع الأمريكي، مما قد ينعكس إيجاباً على وتيرة الإنفاق المحلي في الربع الأول من العام.
مراجعة صعودية لمؤشر ثقة المستهلك
وفقاً للتقرير النهائي المراجَع، تم تعديل مؤشر ثقة المستهلك لشهر يناير ليرتفع إلى 56.4 نقطة، متجاوزاً القراءة الأولية التي كانت قد استقرت عند 54.0 نقطة. وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة لكونها خالفت توقعات المحللين الذين رجحوا بقاء المؤشر دون تغيير، مما يشير إلى وجود ديناميكيات إيجابية في السوق لم تكن مرئية بوضوح في المسوحات الأولى. ويعد هذا الرقم قفزة ملموسة مقارنة بقراءة شهر ديسمبر التي بلغت 52.9 نقطة، وهو ما يعطي دفعة معنوية للأسواق مع انطلاقة عام 2026.
تفاصيل المؤشرات الفرعية ودلالاتها:
- مؤشر الظروف الاقتصادية الحالية: سجل قفزة قوية ليصل إلى 55.4 نقطة في يناير مقابل 50.4 في ديسمبر. هذا الارتفاع يعكس شعوراً متزايداً لدى الأسر بتحسن طفيف في تدفقاتهم النقدية الحالية أو استقراراً نسبياً في نفقاتهم اليومية مقارنة بنهاية العام الماضي.
- مؤشر توقعات المستهلكين: ارتفع إلى 57.0 نقطة صعوداً من 54.6 في الشهر الماضي. وتكمن أهمية هذا المؤشر في كونه المحرك الأساسي لقرارات الشراء الكبرى؛ فكلما زادت ثقة المستهلك في المستقبل، زاد ميله للاستثمار في السلع المعمرة مثل السيارات أو التفكير في تحسينات منزلية واسعة النطاق.
تحليل التوجهات: تحسن شامل رغم الضغوط المستمرة
أوضحت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين، أن هذا التحسن لم يكن محصوراً في شريحة اقتصادية بعينها، بل وصفته بأنه كان “واسع النطاق” بشكل لافت. وشمل هذا النمو مختلف مستويات الدخل، بدءاً من الأسر ذات الدخل المحدود التي تصارع التضخم، وصولاً إلى الفئات الأكثر ثراءً. كما ظهر هذا التوافق عبر الخلفيات التعليمية المتفاوتة، والمراحل العمرية المختلفة، واللافت للنظر أنه كسر حدة الاستقطاب السياسي، حيث أبدى كل من الجمهوريين والديمقراطيين تفاؤلاً متقارباً حول المسار الاقتصادي.
ومع ذلك، لم يغفل التقرير الجوانب القاتمة؛ حيث حذرت “هسو” من أن معنويات المستهلكين لا تزال ترزح تحت وطأة ضغوط تاريخية. فالمشاعر الوطنية العامة لا تزال أدنى بنسبة تزيد عن 20% مقارنة بمستوياتها في نفس الفترة من العام الماضي. ويعزو المحللون هذا التباعد إلى التآكل المستمر في القدرة الشرائية؛ فرغم تباطؤ وتيرة زيادة الأسعار، إلا أن المستويات السعرية المرتفعة بحد ذاتها لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً، تزامناً مع تنامي المخاوف من احتمالية حدوث ركود طفيف قد يضعف سوق العمل ويؤدي إلى تراجع فرص التوظيف.
توقعات التضخم: تراجع في الأمد القريب وتوجس مستقبلي
قدم التقرير مشهداً معقداً فيما يخص توقعات التضخم، وهو ما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف يتطلب الكثير من التأني:
- التضخم السنوي (لعام مقبل): انخفضت توقعات المستهلكين إلى 4.0% في يناير مقارنة بـ 4.2% في ديسمبر. وعلى الرغم من كونها أدنى قراءة يتم تسجيلها منذ مطلع عام 2025، إلا أنها لا تزال بعيدة عن مستهدفات البنك المركزي، وتتجاوز بكثير نسبة 3.3% التي كانت سائدة قبل الأزمات المتلاحقة، مما يعني أن ترويض الأسعار لم يكتمل بعد في وعي المستهلك.
- التضخم طويل الأمد (5-10 سنوات): سجلت التوقعات ارتفاعاً طفيفاً لتصل إلى 3.3% صعوداً من 3.2%. هذا الارتفاع البسيط يحمل في طياته دلالة سلبية، إذ يشير إلى أن المستهلكين بدأوا “يتكيفون” مع فكرة بقاء التضخم مرتفعاً لفترات طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى تغيرات دائمة في سلوكياتهم الادخارية والاستهلاكية.
ختاما إن تحسن ثقة المستهلك الأمريكي في يناير يبعث برسالة طمأنة أولية لصناع السياسة النقدية، مفادها أن الاقتصاد يمتلك “مصدات” قوية أمام الصدمات. ومع ذلك، فإن الفجوة الواسعة بين المشاعر الحالية ومستويات العام الماضي تذكرنا بأن “جراح التضخم” لم تلتئم بعد.
بالنسبة للمستثمرين والمتابعين، تظل المراقبة الدقيقة لبيانات الإنفاق الاستهلاكي الفعلي في الأشهر القادمة هي المعيار الحقيقي؛ فالثقة هي مجرد “تمهيد” للعمل، والسؤال القائم الآن هو: هل ستتحول هذه المشاعر الإيجابية إلى مشتريات فعلية تدفع عجلة النمو، أم ستظل مجرد “تنهيدة ارتياح” مؤقتة في ظل سوق عمل يكتنفه الغموض؟
اقرأ أيضا…



