مبيعات التجزئة في كندا: انتعاش قوي في نوفمبر وهدوء حذر في موسم العطلات
شهد قطاع التجزئة الكندي تقلبات جوهرية مع اقتراب نهاية عام 2025، حيث رسمت البيانات الرسمية لوحة من التباين الاقتصادي؛ فبينما سجل شهر نوفمبر أداءً قوياً فاق التوقعات، جاءت التقديرات الأولية لشهر ديسمبر لتعكس حالة من التباطؤ والهدوء الحذر. هذا التذبذب ليس مجرد أرقام إحصائية، بل هو مرآة تعكس صراع المستهلك الكندي بين الرغبة في الإنفاق الموسمي وبين الضغوط التي تفرضها تكاليف المعيشة المرتفعة وترقب السياسات النقدية المقبلة.
أداء مبيعات التجزئة في كندا خلال نوفمبر 2025
وفقاً لما أعلنته وكالة الإحصاء الكندية، ارتفعت مبيعات التجزئة في كندا خلال شهر نوفمبر بنسبة 1.3% على أساس شهري، لتستقر عند مستوى معدل موسمياً يبلغ 70.42 مليار دولار كندي (ما يعادل 51.07 مليار دولار أمريكي تقريباً).
يُصنف هذا النمو كأقوى وتيرة توسع يشهدها القطاع في غضون خمسة أشهر، متجاوزاً بوضوح تقديرات المحللين التي توقفت عند 1.2%. ويأتي هذا الزخم بعد فترة من الركود النسبي في الشهرين السابقين، حيث كان انخفاض أكتوبر بنسبة 0.3% قد أثار مخاوف بشأن قدرة الاستهلاك المحلي على قيادة قاطرة النمو، إلا أن أرقام نوفمبر أعادت الثقة جزئياً في مرونة القوة الشرائية للأسر الكندية.
تحليل محركات النمو في قطاع التجزئة
لم يكن النمو وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بنشاط شمل ثمانية من أصل تسعة قطاعات فرعية، مما يشير إلى شمولية التعافي المؤقت:
- قطاع الأغذية والمشروبات: قاد هذا القطاع قاطرة النمو بفضل قفزة نوعية بنسبة 14.3% في مبيعات المشروبات الكحولية. هذا الارتفاع الكبير كان بمثابة “حركة تصحيحية” لتعويض الخسائر الحادة التي نتجت عن إضرابات المتاجر في كولومبيا البريطانية التي عطلت سلاسل التوريد سابقاً. كما سجلت السوبر ماركت ومتاجر البقالة الكبرى زيادات ملحوظة في الإيرادات، مما يعكس تركيز المستهلكين على السلع الأساسية.
- محطات الوقود: وفرت هذه المحطات دعماً إضافياً للمبيعات الإجمالية، حيث ساهم ارتفاع أسعار الوقود المعدلة موسمياً في زيادة قيمة الإيصالات، رغم استقرار أحجام الاستهلاك في بعض المناطق.
- مبيعات التجزئة الأساسية: عند استثناء القطاعات المتقلبة مثل وكلاء السيارات ومحطات الوقود، نجد أن المبيعات نمت بنسبة 1.6%. هذا المؤشر تحديداً يعطي صورة أدق عن ثقة المستهلك، حيث يوضح أن الكنديين كانوا مستعدين لإنفاق المزيد على السلع التقديرية (غير الأساسية) والمنزلية.
- الملابس والإكسسوارات: استعادت المبيعات بريقها في هذا القسم بعد تراجعات متتالية، مما يشير إلى أن المستهلكين انتظروا عروض نوفمبر لتجديد مقتنياتهم، وهو سلوك استهلاكي نمطي يسبق موسم الشتاء الفعلي.
توقعات ديسمبر: تراجع حذر بعد فورة نوفمبر
على الرغم من المشهد المتفائل في نوفمبر، إلا أن “رياح ديسمبر” حملت معها بروداً في النشاط التجاري، حيث تشير البيانات الأولية لوكالة الإحصاء الكندية إلى انخفاض محتمل بنسبة 0.5%. هذا التراجع يرجعه المحللون إلى استنزاف ميزانيات الأسر في نوفمبر وتركيزهم على الادخار لمواجهة التزامات بداية العام الجديد.
ومع ذلك، أظهرت بيانات تتبع حاملي البطاقات من بنك كندا الملكي (RBC)، أكبر بنوك البلاد، صورة أكثر تفاؤلاً بعض الشيء؛ حيث ارتفع الإنفاق في ديسمبر بنسبة 0.7% كمتوسط متحرك لثلاثة أشهر. هذا النمو المستمر للمرة الثالثة عشرة على التوالي كان مدفوعاً بشكل أساسي بالسلع الاختيارية وخاصة الملابس، بينما ظل الإنفاق على الخدمات الأساسية والمستلزمات المنزلية دون تغيير يذكر، مما يعزز فرضية “الإنفاق الانتقائي”.
دلالات اقتصادية وتأثيرها على بنك كندا
تكتسب هذه البيانات أهمية استراتيجية قصوى كونها تسبق اجتماع بنك كندا المقرر يوم الأربعاء القادم لاتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة. وسيقوم البنك المركزي بموازنة هذه الأرقام مع توقعاته الاقتصادية الجديدة:
- معضلة النمو والتضخم: رغم السيطرة النسبية على التضخم خلال العام الماضي واستقرار سوق العمل، إلا أن الاقتصاد يظهر إشارات متضاربة؛ فالنمو القوي في نوفمبر قد يغري البنك بالاستمرار في سياسة التشدد، بينما يفرض تراجع ديسمبر ضرورة الحذر لتجنب الركود.
- جودة النمو (الحجم مقابل القيمة): من الناحية الكمية، ارتفعت المبيعات بنسبة 1.1% في نوفمبر و1.5% على أساس سنوي. هذا يعني أن الزيادة لم تكن مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار (تضخم)، بل كانت هناك زيادة حقيقية في كمية السلع المشتراة، وهو مؤشر صحي للنشاط الاقتصادي العام.
التجارة الإلكترونية: تحول في سلوك التسوق
في مفارقة لافتة، سجلت التجارة الإلكترونية تراجعاً بنسبة 2.8% في نوفمبر، لتستقر المبيعات الرقمية عند نحو 4 مليار دولار كندي. هذا التراجع قلص حصة التجارة الإلكترونية من إجمالي المبيعات إلى 5.7% (مقارنة بـ 6.0% في الشهر السابق). قد يعكس ذلك رغبة المستهلكين في العودة لتجربة التسوق الواقعي داخل المتاجر خلال موسم التخفيضات، أو ربما تشبعاً مؤقتاً في منصات البيع الرقمية الكبرى.
ختاما تعيش مبيعات التجزئة في كندا حالة من “التوازن الهش”. فمن جهة، برهن شهر نوفمبر على وجود طلب محلي كامن قادر على الانتعاش، ومن جهة أخرى، يذكرنا تراجع ديسمبر بأن الضغوط المالية لا تزال تلقي بظلالها على الأسر. سيبقى قرار بنك كندا القادم، وتحديثاته لتوقعات النمو، هما الموجه الأساسي لبوصلة الاقتصاد الكندي، حيث سيحدد مسار الفائدة مدى قدرة قطاع التجزئة على الحفاظ على زخمه في مواجهة تقلبات الربع الأول من عام 2026.
اقرأ أيضا…



