أسعار النفط تتراجع مع انحسار التوترات الجيوسياسية وتوقعات الفائض العالمي

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً خلال تداولات يوم الخميس، عاكسةً المكاسب التي حققتها في الجلسات السابقة. يأتي هذا الهبوط في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب التحولات النوعية في الخطاب السياسي الصادر من البيت الأبيض، وتأثيره المباشر على “علاوة المخاطر” التي لطالما كانت المحرك الأساسي لتقلبات أسواق الطاقة العالمية في الآونة الأخيرة.
أداء عقود النفط الآجلة وتفاعلات السوق
سجلت أسواق الخام انخفاضاً بنسب تجاوزت 1.5%، مما يعكس حالة من الحذر والترقب في أوساط المتداولين، حيث:
- تراجع خام برنت القياسي بمقدار 1.07 سنت، أي بنسبة 1.6%، ليصل إلى 64.17 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يعكس تراجع حدة القلق بشأن استدامة سلاسل التوريد العالمية.
- انخفض خام غرب تكساس (WTI) لشهر مارس بمقدار 1.02 سنت، أو 1.7%، ليستقر عند 59.60 دولاراً للبرميل، كاسراً حاجز الـ 60 دولاراً النفسي الهام.
هذا التراجع الدراماتيكي يأتي بعد فترة انتعاش مؤقتة شهدتها الأسواق يوم الأربعاء، حينما ارتفعت الأسعار نتيجة اضطرابات تقنية غير متوقعة في كازاخستان؛ حيث توقف الإنتاج في حقلي “تنجيز” و”كوروليف” التابعين لمنظمة “أوبك+” جراء مشاكل في شبكات توزيع الطاقة، وهو ما يثبت حساسية السوق العالية لأي نقص، ولو كان مؤقتاً، في المعروض.
تصريحات ترامب وإعادة تقييم المخاطر السياسية
يرى المحللون والخبراء أن المحرك الجوهري وراء انخفاض أسعار النفط اليوم يكمن في “تلاشي علاوة المخاطر الجيوسياسية”. فقد نجحت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إرسال إشارات تهدئة قوية للأسواق، مما أدى إلى خفض تكلفة التأمين ضد المخاطر في عقود النفط، وذلك عبر محورين أساسيين:
- الملف الإيراني: من خلال تأكيد ترامب على تجنب الخيار العسكري ما لم تتجاوز طهران الخطوط الحمراء في برنامجها النووي، تنفس المتعاملون في سوق الطاقة الصعداء، حيث تراجعت مخاوف استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج أو إغلاق الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.
- العلاقات مع الحلفاء: ساهم تراجع ترامب عن لغة التهديد بالتعاريف الجمركية ضد الشركاء الأوروبيين، وصرفه النظر عن التصعيد في ملف “جرينلاند”، في تعزيز ثقة المستثمرين باستقرار حركة التجارة الدولية، مما يقلل من احتمالات حدوث ركود اقتصادي قد يضعف الطلب على الوقود.
الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على توازن العرض العالمي
في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً، لمّح الرئيس ترامب إلى إحراز تقدم في المفاوضات لإنهاء النزاع بين روسيا وأوكرانيا. إن التوصل إلى تسوية سياسية يحمل دلالات اقتصادية ضخمة لـ أسعار النفط؛ فالسلام يعني بالضرورة احتمالية رفع العقوبات الغربية الصارمة المفروضة على قطاع الطاقة الروسي.
هذا السيناريو سيسمح بعودة تدفقات “الخام الروسي” بكامل طاقتها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، مما سيخلق وفرة مفاجئة في المعروض. وفي ظل تزايد الإنتاج من خارج منظمة أوبك، فإن عودة النفط الروسي قد تخلق فائضاً يصعب استيعابه، مما يضغط بقوة على الأسعار نحو مستويات دنيا جديدة.
تقارير المخزونات ومعضلة الفائض في الولايات المتحدة
رغم التفاؤل النسبي الذي أبدته وكالة الطاقة الدولية (IEA) برفع توقعاتها لنمو الطلب العالمي لعام 2026، إلا أن الواقع الميداني في الولايات المتحدة -أكبر مستهلك للنفط في العالم- يروي قصة مختلفة تتسم بتخمة المعروض:
- تضخم المخزونات: صدمت بيانات معهد البترول الأمريكي (API) السوق بزيادة قدرها 3.04 مليون برميل في مخزونات الخام، وهو رقم يتجاوز بكثير توقعات المحللين التي كانت تشير لزيادة طفيفة.
- تراكم المنتجات المكررة: سجلت مخزونات البنزين قفزة حادة بلغت 6.21 مليون برميل، مما يشير إلى تباطؤ في استهلاك الوقود محلياً، وهو مؤشر سلبي يضعف الآمال في انتعاش قريب للأسعار.
تؤكد هذه البيانات أن السوق العالمي لا يزال يعاني من حالة “التشبع”، حيث يفوق الإنتاج الحالي قدرة الاستيعاب الفعلية، مما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط تحت سقف ضغوط البيع المستمرة.
ختاما تظل أسعار النفط اليوم عالقة في منطقة رمادية، محكومة بالتوازن الهش بين انحسار التوترات السياسية الكبرى ووفرة الإمدادات المادية على أرض الواقع. ومع استقرار التداولات دون مستوى 65 دولاراً لبرنت، يبدو أن الأسواق قد بدأت تتقبل فكرة “الأسعار المنخفضة لفترة أطول”، خاصة وأن المنتجين يجدون أنفسهم أمام تحدي إدارة فائض عالمي متزايد في ظل غياب محفزات قوية لنمو الطلب.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد