أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب اليوم تستقر بحذر وسط صراع “استقلالية الفيدرالي” وهدوء التوترات التجارية

شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار الملحوظ خلال تداولات يوم الخميس، بعد موجة من التقلبات الحادة التي أفقدت المعدن الأصفر أكثر من 1% من قيمته في وقت سابق من الجلسة. ويأتي هذا الثبات في وقت تتشابك فيه العوامل الجيوسياسية المعقدة مع التجاذبات السياسية العنيفة داخل الولايات المتحدة بشأن استقلالية البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي)، مما خلق حالة من “التوازن القلق” في الأسواق العالمية.

ملخص حركة أسعار الذهب عالمياً

استقر سعر الذهب في المعاملات الفورية عند مستوى 4,836.09 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 07:40 بتوقيت غرينتش، وذلك بعد أن سجل في الجلسة السابقة ذروة قياسية غير مسبوقة بلغت 4,887.82 دولار. هذا التراجع الطفيف من القمة التاريخية يُفسره المحللون كعملية جني أرباح فنية طبيعية بعد رالي صعودي استثنائي، وليس تغييراً في الاتجاه العام الصاعد.

أما على صعيد العقود الآجلة، فقد تداولت عقود الذهب الأمريكية تسليم فبراير بشكل مستقر عند 4,838.60 دولار للأوقية، مما يعكس تماسك الثقة لدى المستثمرين طويلي الأجل في قدرة المعدن الأصفر على الحفاظ على مكاسبه رغم الضغوط قصيرة المدى.

صراع ترامب والاحتياطي الفيدرالي يدعم الذهب

أشار خبراء الاقتصاد إلى أن تراجع حدة التوترات التجارية بعد تراجع الرئيس دونالد ترامب المفاجئ عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على الاتحاد الأوروبي بشأن قضية “غرينلاند”، قد خفف الضغط على الملاذات الآمنة مؤقتاً. ومع ذلك، لا تزال المخاوف الجوهرية بشأن استقلالية الفيدرالي الأمريكي تمثل شبكة أمان صلبة تمنع هبوط أسعار الذهب بشكل حاد، حيث يخشى المستثمرون من تحويل السياسة النقدية إلى أداة سياسية.

أبرز التطورات المؤثرة وتداعياتها:

  1. تصريحات ترامب في دافوس: أثار إعلان الرئيس الأمريكي عن قرب اختيار رئيس جديد للفيدرالي حالة من الارتباك؛ فالمستثمرون لا يراقبون الشخصيات فحسب، بل يراقبون مدى رضوخ المرشحين المحتملين لرغبات البيت الأبيض. إن دعم ترامب لمستشاره “كيفين هاسيت” كحاكم في مجلس الاحتياطي يُنظر إليه كخطوة لتعزيز نفوذ الإدارة داخل أروقة البنك المركزي.
  2. معركة المحكمة العليا والحصانة النقدية: يراقب المستثمرون المؤسسيون بشغف محاولات ترامب لإقالة حاكمة الفيدرالي “ليزا كوك”. إن تأكيد قضاة المحكمة العليا على ضرورة حفظ استقلالية البنك هو بمثابة صمام أمان للأسواق؛ فأي اختراق لهذه الاستقلالية سيعني فقدان الثقة في الدولار كعملة احتياط عالمية، وهو السيناريو الذي يدفع بأسعار الذهب نحو مستويات فلكية.
  3. توقعات الفائدة وأداة (FedWatch): رغم الضغوط السياسية لخفض الفائدة لتحفيز النمو، تظهر البيانات أن الفيدرالي يميل للتريث. هذا الصراع بين “الحاجة الاقتصادية للتثبيت” و”الرغبة السياسية في الخفض” يضع الذهب في موقف القوي؛ فهو يستفيد من عدم اليقين في كلتا الحالتين، خاصة وأن تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب تظل منخفضة مع استمرار التضخم.

توقعات جولدمان ساكس: الذهب نحو 5400 دولار

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في نظرة المؤسسات المالية الكبرى، رفع بنك جولدمان ساكس توقعاته لأسعار الذهب لشهر ديسمبر 2026 إلى 5,400 دولار للأوقية بدلاً من 4,900 دولار. هذا التعديل بنسبة 10% ليس مجرد رقم، بل هو اعتراف بتغير هيكلي في سلوك التحوط العالمي.

وعزا البنك هذا التعديل الجريء إلى عدة ركائز أساسية:

  • مشتريات البنوك المركزية “الهيكلية”: لم يعد شراء الذهب من قبل البنوك المركزية (خاصة في الأسواق الناشئة مثل الصين والهند) مجرد رد فعل مؤقت، بل أصبح استراتيجية لـ “إلغاء الدولرة” (De-dollarization). يتوقع البنك شراء ما متوسطه 60 طناً شهرياً في عام 2026، مما يخلق طلباً مستداماً يمتص أي زيادة في المعروض المنجمي.
  • التحوط من مخاطر السياسات (Policy Hedging): تزايد إقبال القطاع الخاص وصناديق التحوط على المعدن الأصفر ليس فقط للوقاية من التضخم، بل للتحوط ضد تقلبات السياسات التجارية والمالية العالمية. إن الذهب اليوم يُعامل كـ “عملة عالمية” لا يمكن طباعتها ولا تخضع لقرارات سيادية مفاجئة.

أداء المعادن النفيسة الأخرى

لم يقتصر الزخم على الذهب وحده، بل امتد ليشمل سلة المعادن الثمينة التي تفاعلت مع ضعف الدولار النسبي:

  • الفضة: ارتفعت بنسبة 1.1% لتصل إلى 94.26 دولار للأوقية، مستفيدة من الطلب المزدوج (الاستثماري والصناعي) خاصة في قطاع الطاقة المتجددة.
  • البلاتين: رغم تراجعه الطفيف بنسبة 0.4% إلى 2,472.33 دولار نتيجة تصحيح فني، إلا أنه لا يزال بالقرب من مستوياته التاريخية.
  • البلاديوم: سجل مكاسب بنسبة 0.6% ليصل إلى 1,850.31 دولار، مدعوماً بمخاوف نقص الإمدادات من كبار المنتجين العالميين.

الخاتمة والرؤية الفنية والتحليلية

تتجه الأنظار الآن نحو “المؤشر المفضل لدى الفيدرالي”، وهو بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، بالإضافة إلى طلبات الإعانة الأسبوعية. إن أي قراءة تظهر “عناد” التضخم ستعزز من مكانة الذهب كدرع واقٍ.

الرؤية الفنية: تظل أسعار الذهب محصورة في قناة صاعدة قوية على المدى المتوسط والطويل. وطالما ظل المعدن الأصفر فوق مستويات الدعم النفسي الهامة، فإن أي تراجع دون الـ 4,800 دولار يُعتبر في نظر كبار المتداولين “فرصة شراء ذهبية” قبل الانطلاق نحو المستهدف القادم عند 5,000 دولار. إن تداخل المشتريات المؤسسية مع القلق السياسي يشكل وقوداً كافياً لاستمرار هذا الرالي التاريخي.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى