انتعاش الأسهم الأمريكية: كيف أعاد “اتفاق جرينلاند” الثقة إلى وول ستريت؟

شهدت الأسهم الأمريكية طفرة قوية في تداولات يوم الأربعاء، حيث استعادت المؤشرات الرئيسية توازنها بعد موجة من التوترات الجيوسياسية الحادة التي عصفت بالأسواق مؤخراً وأثارت مخاوف من حرب تجارية عابرة للأطلسي. جاء هذا الارتفاع مدفوعاً بقرار الرئيس دونالد ترامب المفاجئ بإلغاء التعريفات الجمركية المقررة على أوروبا، مما أدى إلى تبدد سحب القلق التي خيمت على المستثمرين وفتح الباب أمام موجة شراء واسعة النطاق.
أداء مؤشرات الأسهم الأمريكية اليوم
سجلت الأسواق قفزات ملموسة بنهاية الجلسة، حيث عكست الأرقام استجابة فورية وحماسية من قبل المتداولين:
- مؤشر داو جونز الصناعي: قفز بمقدار 588.64 نقطة، أي بنسبة 1.21%، ليغلق عند مستوى 49,007.23 نقطة، مقترباً من استعادة مستويات تاريخية هامة.
- مؤشر S&P 500: حقق مكاسب بنسبة 1.16% ليغلق عند 6,875.62 نقطة، مدعوماً بأداء قوي من معظم القطاعات الـ 11 المدرجة فيه.
- مؤشر ناسداك المجمع: تقدم بنسبة 1.18% ليصل إلى 23,224.82 نقطة، حيث استعادت أسهم التكنولوجيا ثقلها المعهود كمحرك لنمو السوق.
ورغم هذه المكاسب اليومية القوية، لا تزال الأسهم الأمريكية تكافح لتجاوز تراجعها الأسبوعي، حيث انخفض “داو جونز” بنسبة 0.6% و”ناسداك” بنسبة 1.2% منذ بداية الأسبوع، مما يشير إلى أن الأسواق لم تخرج بعد من منطقة التقلبات بشكل نهائي.
ملف جرينلاند والتعريفات الجمركية: نقطة التحول الجيوسياسية
كان المحرك الرئيسي لهذا الصمود هو إعلان الرئيس ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” عن التوصل إلى إطار عمل لاتفاق مستقبلي طموح بشأن “جرينلاند” ومنطقة القطب الشمالي بالتعاون مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته. هذا التطور خفف من حدة المواجهة التي كادت أن تؤدي إلى قطيعة تجارية مع الحلفاء الأوروبيين.
وبناءً على هذا التفاهم، قرر ترامب تجميد فرض التعريفات الجمركية التي كان من المقرر دخولها حيز التنفيذ في الأول من فبراير، والتي كانت تستهدف سلعاً من ثماني دول أعضاء في الناتو. وأكد ترامب في تصريحات لاحقة لـ CNBC أن هناك “مفهوم لاتفاق” يلوح في الأفق، وهو ما اعتبره المحللون “صمام أمان” منع انزلاق الأسواق إلى موجة بيع ذعر جديدة.
تراجع استراتيجية “بيع أمريكا” (Sell America)
أدى هذا التراجع عن التصعيد الجمركي إلى عكس مسار تجارة “بيع أمريكا” التي هيمنت على الأصول الأمريكية في الجلسة السابقة. هذا التحول كان له تداعيات مباشرة على الأسواق المالية:
- السندات: ارتفعت أسعار سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بشكل ملحوظ، مما أدى إلى انخفاض عائداتها، وهو ما يخفف عادة الضغط عن تكاليف الاقتراض للشركات.
- العملة: استعاد الدولار الأمريكي جاذبيته، محققاً مكاسب مقابل سلة من العملات الرئيسية، مما يعكس الثقة في استقرار الاقتصاد الكلي.
- التكنولوجيا: عادت التدفقات الاستثمارية بكثافة إلى قطاع النمو، حيث قادت شركات أشباه الموصلات مثل Nvidia وAMD رحلة التعافي، بعد أن كانت الأكثر تضرراً من مخاوف القيود التجارية.
تحليل القطاعات: البنوك والتكنولوجيا في الصدارة
لم يقتصر الانتعاش على قطاع التكنولوجيا فحسب، بل امتد ليشمل القطاع المصرفي الذي يتأثر بشدة بقرارات السياسة النقدية والمالية. فقد ارتفعت أسهم بنوك كبرى مثل Citigroup وCapital One بنسبة تناهز 1%، وذلك عقب خطاب ترامب في منتدى “دافوس” الاقتصادي العالمي.
ورغم طرح الرئيس لفكرة وضع سقف لفوائد بطاقات الائتمان عند 10% — وهو مقترح يواجه معارضة قوية في الكونجرس — إلا أن الأسواق فضلت التركيز على الجانب الإيجابي المتعلق بالنمو الاقتصادي وتجنب الصراعات الدولية.
ويرى الخبير جيد ايليربروك من “Argent Capital Management” أن المستثمرين بدأوا في تطوير “مناعة” تجاه التصريحات المتقلبة، حيث باتت الأسواق تدرك أن التهديدات غالباً ما تكون أدوات تفاوضية وليست قرارات نهائية، مما يقلل من حدة الاستجابة السلبية للتقلبات اللفظية.
استقلالية الفيدرالي الأمريكي تحت المجهر القضائي
بالتوازي مع أحداث وول ستريت، تتابع الأوساط المالية باهتمام بالغ التطورات القانونية في واشنطن، وتحديداً في المحكمة العليا. حيث برزت تساؤلات قانونية ودستورية حول سلطة الرئيس في إقالة ليزا كوك، حاكم الاحتياطي الفيدرالي، دون مراجعة قضائية.
وقد حذر القاضي بريت كافانو من أن السماح بإقالة المسؤولين في البنك المركزي بناءً على أهواء سياسية قد “يضعف أو يحطم” استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. تعتبر هذه الاستقلالية ركيزة أساسية يثق بها مستثمرو الأسهم الأمريكية، كونها تضمن بقاء السياسة النقدية بعيدة عن الضغوط الانتخابية القصيرة الأمد، وهو ما يحافظ على استقرار الأسعار وقيمة العملة على المدى البعيد.
ختاما بينما تنفست الأسواق الصعداء بعد إلغاء تعريفات جرينلاند، تظل التقلبات رفيقاً دائماً في تداولات عام 2026. إن قدرة الأسهم الأمريكية على بناء زخم صعودي مستدام تعتمد الآن على تحويل “مفهوم الاتفاق” مع أوروبا إلى معاهدات تجارية ملموسة.
ويجب على المستثمرين مراقبة البيانات الاقتصادية القادمة، وتطورات النزاع القانوني حول استقلالية الفيدرالي، حيث ستظل هذه العوامل هي المحرك الأساسي لشهية المخاطرة في وول ستريت خلال الأسابيع المقبلة.
اقرأ أيضا…



