أخبار الأسواقاخبار اقتصاديةأخبار الدولار الأمريكي

صناديق التقاعد الدنماركية تتخلى عن السندات الأمريكية

في خطوة أحدثت هزات ارتدادية في أروقة الأسواق المالية العالمية، أعلن صندوق التقاعد الدنماركي “AkademikerPension” عن قراره الاستراتيجي بتصفية كامل استثماراته في السندات الأمريكية، والتي تُقدر قيمتها بنحو 100 مليون دولار. لا تمثل هذه الخطوة مجرد تعديل في محفظة استثمارية، بل تأتي كإشارة تحذيرية في وقت شديد الحساسية، حيث تتصاعد فيه التوترات الدبلوماسية بين واشنطن وكوبنهاجن على خلفية المطالبات الأمريكية المثيرة للجدل بشأن جزيرة “جرينلاند”، مما يضع الاستقرار المالي العالمي أمام اختبار جديد.

السندات الأمريكية وتحذيرات من سوء الإدارة المالية

أرجع أندرس شيلد، مدير الاستثمار في الصندوق الدنماركي، هذا القرار الجذري بشكل أساسي إلى ما وصفه بـ “الوضع المالي المتردي للحكومة الأمريكية”. وتأتي هذه التصريحات القاسية لتعزز المخاوف المتجذرة بشأن أزمة الديون الأمريكية المتفاقمة؛ حيث لم يعد العجز المالي مجرد أرقام عابرة، بل تحول إلى عبء هيكلي بعد أن سجلت الولايات المتحدة عجزاً في الميزانية قدره 1.78 تريليون دولار العام الماضي. هذا المسار المالي المتصاعد يضع ضغوطاً هائلة على الملاءة المالية طويلة الأجل لأكبر اقتصاد في العالم.

وتعتبر السندات الأمريكية تقليدياً “الملاذ الآمن” والمقياس العالمي للاستقرار المالي، إلا أن هذه المكانة بدأت تترنح. فقرار وكالة “موديز” بخفض التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة من (Aaa) إلى (Aa1) في مايو الماضي، لم يكن مجرد إجراء تقني، بل كان اعترافاً صريحاً بتآكل الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على كبح جماح الإنفاق المفرط وإدارة تكاليف الاقتراض التي قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، مما يجعل إعادة تمويل الديون عملية محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة.

أزمة جرينلاند: هل تحولت الضغوط السياسية إلى حرب رأسمالية؟

على الرغم من إصرار إدارة الصندوق الدنماركي على أن الدافع وراء التصفية مالي وتقني بحت لضمان حماية أموال المتقاعدين، إلا أن المحللين يرون أن التوقيت يحمل دلالات سياسية عميقة لا يمكن تجاهلها. فالتهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية على الدول الأوروبية، في حال عدم رضوخ الدنمارك لمطلب بيع “جرينلاند”، قد نقلت الصراع من طاولة الدبلوماسية إلى شاشات التداول.

أبرز النقاط في التوتر الاقتصادي الحالي وتداعياته:

  1. سلاح التعريفات الجمركية: تلويح واشنطن بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% بحلول يونيو المقبل، مما يهدد سلاسل التوريد الأوروبية ويخلق حالة من اليقين الاقتصادي.
  2. المقاومة الأوروبية الموحدة: تدرس المفوضية الأوروبية بجدية فرض تعريفات جمركية مضادة واتخاذ إجراءات اقتصادية انتقامية، مما ينذر باندلاع حرب تجارية شاملة عابرة للأطلسي.
  3. تسييس الأصول المالية: لجوء المؤسسات المالية الاستثمارية في أوروبا إلى سلاح “بيع الأصول”، حيث يمثل التخلص من السندات الأمريكية وسيلة للضغط الاقتصادي المضاد وردع التهديدات التجارية، مما يحول الديون السيادية إلى ورقة مساومة سياسية.

راي داليو يحذر من أن تجارة بيع أمريكا قد بدأت بالفعل

في مداخلة تحليلية لافتة من منتدى “دافوس” الاقتصادي، حذر راي داليو، مؤسس “بريدج ووتر” وأحد أبرز خبراء الاستثمار في العالم، من أننا قد نكون بصدد الانتقال من “الحروب التجارية” إلى “حرب الرأسمالية”. وأوضح داليو أن استقرار السندات الأمريكية يعتمد تاريخياً على رؤية العالم للولايات المتحدة كشريك موثوق ومستقر؛ وبمجرد اهتزاز هذه الصورة، فإن ميل الصناديق السيادية للشراء سيتحول حتماً إلى رغبة في التخارج.

هذه التحذيرات وجدت صدىً فورياً في الأسواق المالية؛ حيث شهدت عوائد السندات الأمريكية ارتفاعاً حاداً، وهو ما يعكس انخفاضاً مباشراً في أسعارها نتيجة ضعف الطلب. وتزامن ذلك مع تراجع ملموس في قيمة الدولار والأسهم، بينما اندفع المستثمرون نحو الذهب الذي سجل مستويات قياسية تاريخية، في مشهد بات يُعرف تقنياً بـ “تجارة بيع أمريكا” (Sell America trade)، حيث يفر رأس المال من الأصول المقومة بالدولار بحثاً عن ملاذات أكثر حيادية.

مستقبل الاستثمار في الديون الأمريكية تحت المجهر

إن قرار صندوق “AkademikerPension” بالخروج الكامل من سوق الخزانة الأمريكية لا ينبغي النظر إليه كحدث معزول، بل كجرس إنذار لمرحلة جديدة من إعادة تقييم المخاطر السيادية. فإذا بدأت صناديق سيادية كبرى أو صناديق تقاعد عملاقة في البحث عن قنوات بديلة لإدارة السيولة بعيداً عن السندات الأمريكية، فإن واشنطن ستجد نفسها أمام معضلة كبرى في تمويل عجز ميزانيتها المتنامي، مما قد يضطر الاحتياطي الفيدرالي لتدخلات قد تفاقم من حدة التضخم.

في النهاية تواجه السندات الأمريكية اليوم ضغطاً مزدوجاً غير مسبوق؛ ضغط فني نابع من الشكوك في الاستدامة المالية والقدرة على سداد الديون، وضغط جيوسياسي ناتج عن سياسات تجارية تصادمية تقوض التحالفات التقليدية. إن صمود الديون الأمريكية كملاذ آمن لم يعد حقيقة مسلمة بها، بل أصبح رهناً بمدى قدرة واشنطن على استعادة توازنها المالي وهدوئها الدبلوماسي في آن واحد.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى