أخبار الأسواقاخبار اقتصادية

عاصفة في سوق السندات: لماذا قفزت عوائد الخزانة الأمريكية لأعلى مستوياتها في 2026؟

شهدت أسواق المال العالمية يوم الثلاثاء ما يمكن وصفه بـ “العاصفة المثالية”، حيث تضافرت عوامل سياسية وجيوسياسية لتؤدي إلى عمليات بيع واسعة النطاق في سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل. هذا الهبوط الحاد دفع العوائد إلى مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عدة أشهر، مما يعكس تحولاً جذرياً في شهية المستثمرين للمخاطرة وإعادة تقييم شاملة لمسار التضخم العالمي والنمو الاقتصادي في عام 2026. هذا التحرك الدراماتيكي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بمزيج معقد من التهديدات الجمركية المتجددة للرئيس دونالد ترامب، والانهيار المفاجئ وغير المتوقع في سوق السندات الحكومية اليابانية (JGBs).

أزمة جرينلاند: سلاح الرسوم الجمركية يشعل فتيل الأسواق

كان المحرك الأول لهذا التراجع هو التصعيد الجيوسياسي غير التقليدي الذي أطلقه الرئيس ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع. فقد هدد بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10%، قد ترتفع إلى 25% بحلول يونيو، على واردات من ثماني دول أوروبية حليفة كإجراء ضغطي لإجبار الدنمارك والاتحاد الأوروبي على التفاوض بشأن رغبة الولايات المتحدة في شراء “غرينلاند”.

تتجاوز تداعيات هذا التهديد مجرد الصراع الدبلوماسي؛ إذ يرى المستثمرون أن هذه الرسوم ستعمل كضريبة مباشرة على المستهلك الأمريكي، مما يؤدي بالضرورة إلى رفع تكاليف المعيشة وتغذية موجة تضخمية جديدة. ونتيجة لذلك، سارعت الأسواق إلى تسعير سيناريو “الارتفاع الحاد في العوائد الطويلة” (Bear-Steepening). في هذا السيناريو، ترتفع أسعار الفائدة على المدى الطويل بشكل أسرع بكثير من أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وهو ما يشير عادةً إلى أن المستثمرين يطلبون “علاوة مخاطرة” أعلى مقابل الاحتفاظ بالديون طويلة الأجل خوفاً من تآكل قيمتها بفعل التضخم المستقبلي الناتج عن السياسات الحمائية.

العدوى اليابانية: كيف هزت “ساناينوميكس” أركان الثقة العالمية؟

بالتوازي مع التوترات الأطلسية، كانت طوكيو تصدّر صدمة أخرى للنظام المالي العالمي. شهدت السندات الحكومية اليابانية (JGBs) موجة بيع عنيفة أثارت الذعر في قلوب حاملي السندات حول العالم. تعود الجذور إلى القلق المتزايد بشأن الاستدامة المالية لليابان تحت إدارة رئيسة الوزراء “ساناي تاكايشي”، التي دعت لانتخابات مبكرة وتبنت خطاباً مالياً توسعياً شمل وعوداً بخفض ضريبة المبيعات إلى مستويات صفرية على السلع الأساسية.

أبرز تجليات هذا الانهيار الذي هز الأسواق:

  • فشل مزاد السندات لأجل 20 عاماً: شهد المزاد طلباً هو الأضعف منذ سنوات، مما أرسل إشارة قوية بأن المؤسسات المالية لم تعد مستعدة لاستيعاب الديون اليابانية بالعوائد الحالية، مما أجبر العوائد على الارتفاع لجذب المشترين.
  • بلوغ مستويات تاريخية: قفز العائد على السندات اليابانية لأجل 40 عاماً إلى مستوى تاريخي بلغ 4.205%، وهو ما يمثل تحولاً زلزالياً في بلد اشتهر لعقود بأسعار فائدة صفرية أو سالبة.
  • انتقال العدوى عبر الحدود: نظراً لأن المستثمرين اليابانيين هم أكبر حاملي السندات الأمريكية في العالم، فإن ارتفاع العوائد في بلدهم الأم يحفزهم على “إعادة رأس المال” (Repatriation)؛ أي بيع سندات الخزانة الأمريكية لشراء السندات المحلية اليابانية التي أصبحت تقدم عوائد تنافسية، مما زاد من ضغوط البيع على الديون الأمريكية.

تحليل الأرقام: قفزة تاريخية في عوائد الخزانة الأمريكية

انعكست هذه الضغوط المزدوجة فوراً على منحنى العائد الأمريكي، حيث شهدت الجلسة تحركات حادة تعكس قلقاً عميقاً:

  1. سندات الـ 10 سنوات (US10Y): ارتفعت لتلامس حاجز 4.313%، وهو المستوى الأعلى لها منذ أواخر أغسطس 2025. يعتبر المحللون التقنيون أن تجاوز مستوى 4.20% هو كسر لمقاومة حرجة قد يدفع العوائد لمزيد من الارتفاع.
  2. سندات الـ 30 عاماً (US30Y): سجلت هذه السندات، الحساسة جداً لتوقعات التضخم طويل الأجل، زيادة بمقدار 7.4 نقطة أساس لتستقر عند 4.914%، بعد أن بلغت ذروتها خلال الجلسة عند 4.948%. وهذه الوتيرة تمثل أسرع تراجع في أسعار السندات الطويلة منذ منتصف ديسمبر الماضي.
  3. توسع الفجوة (Spread): اتسعت الفجوة بين عوائد السنتين والـ 10 سنوات لتصل إلى 70.9 نقطة أساس. هذا الاتساع في منحنى العائد هو تأكيد كلاسيكي على أن الأسواق لا تخشى ركوداً وشيكاً (الذي عادة ما يؤدي لتسطيح المنحنى)، بل تخشى “نمواً تضخمياً” غير منضبط مدفوعاً بزيادة الإنفاق الحكومي والتعريفات الجمركية.

رؤية المحللين: هل نحن أمام نهاية عصر الفائدة المنخفضة؟

يشير المحلل “كينيث بروكس” من سوسيتيه جنرال إلى أن ما نراه هو “عاصفة كاملة” جمعت بين التحليل الفني والأساسيات الاقتصادية والتقلبات الجيوسياسية. فمع اقتراب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع المقبل، بدأت الأسواق في خفض توقعاتها لعمليات تيسير نقدي إضافية. فبدلاً من توقع أربع أو خمس تخفيضات في الفائدة لعام 2026، أصبحت العقود الآجلة تسعر أقل من خفضين فقط.

الآثار المترتبة على هذا التحول:

  • ارتفاع تكلفة الاقتراض: سيؤدي ارتفاع عوائد السندات الطويلة مباشرة إلى رفع أسعار الرهن العقاري والقروض التجارية، مما قد يهدد زخم النمو الاقتصادي.
  • ضغط على الأسهم: الارتفاع الحاد في العوائد يجعل السندات “منافساً” قوياً للأسهم، مما يفسر موجة التراجع التي شهدتها وول ستريت بالتزامن مع هذه التطورات.

ختاما تجد سندات الخزانة الأمريكية نفسها اليوم في مواجهة تحديات وجودية؛ فبين مطرقة السياسة الخارجية الهجومية لترامب وسندان الاضطرابات المالية في اليابان، يبدو أن عصر العوائد المنخفضة يتلاشى سريعاً. بالنسبة للمستثمرين، فإن الاستقرار لن يعود إلا بوضوح الرؤية بشأن السياسات المالية القادمة ومدى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على كبح جماح التضخم في ظل حرب تجارية عالمية محتملة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى